بسم الله الرحمن الرحيم
..............................
كم من إنسان يملك الذكاء، والمال، والفرص، لكنه لا يوفَّق! وكم من آخر يملك القليل، فإذا الله يفتح له أبواب الخير من حيث لا يحتسب. إن التوفيق ليس مجرد مهارة، ولا قوة، ولا حظًا، وإنما هو هبة من الله يمنحها لمن أقبل عليه، ويحرمها عمن أعرض عنه.
فقد يجتهد المرء، ويخطط، ويسعى، ثم يرى أعماله تتعثر، وقراراته تخطئ، وبركة وقته تضيع، ولا يدري أن أعظم ما فقده هو **توفيق الله**.
قال الله تعالى:
> **﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾**
> **[هود: 88]**
فهذه الآية العظيمة تقرر حقيقة لا ينبغي أن تغيب عن قلب مؤمن، وهي أن كل نجاح، وكل خير، وكل صلاح، إنما هو بتوفيق الله وحده، لا بقوة الإنسان ولا بحوله.
## لماذا يُحرَم الإنسان من التوفيق؟
من أعظم أسباب الحرمان من التوفيق:
* الإصرار على الذنوب والمعاصي.
* ظلم العباد وأكل حقوقهم.
* العقوق وقطيعة الرحم.
* الكبر والإعجاب بالنفس.
* الغفلة عن ذكر الله وترك الطاعات.
قال الله تعالى:
> **﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ﴾**
> **[الشورى: 30]**
وقال سبحانه:
> **﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ۚ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾**
> **[الصف: 5]**
فمن أعرض عن الحق، عوقب بحرمان الهداية والتوفيق، نسأل الله السلامة.
## الذنب... قد يحرمك خيرًا كثيرًا
ليست كل عقوبة في الدنيا مرضًا أو فقرًا، بل قد تكون العقوبة أن تُحرم التوفيق، فتسعى كثيرًا ولا تصل، وتعمل طويلًا بلا بركة.
وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال:
> **«إنَّ الرجلَ ليُحرَمُ الرزقَ بالذنبِ يُصيبُه»**
> رواه الإمام أحمد وابن ماجه، وحسنه عدد من أهل العلم.
وإذا كان الذنب قد يحرم الرزق، فهو أولى أن يحرم صاحبه بركة العمر، وسداد الرأي، وطمأنينة القلب، ولذة الطاعة.
## ومن علامات التوفيق
* أن ييسر الله لك الطاعة.
* وأن يرزقك صحبة صالحة.
* وأن يوفقك لاختيار الخير.
* وأن يبارك في وقتك وعملك.
* وأن يرزقك الإخلاص والثبات.
قال الله تعالى:
> **﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا﴾**
> **[فصلت: 30]**
ومن أعظم علامات التوفيق أن يثبتك الله على طريق الاستقامة حتى تلقاه.
## كيف تستعيد التوفيق؟
باب التوفيق لا يُغلق ما دام باب التوبة مفتوحًا.
قال الله عز وجل:
> **﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾**
> **[النور: 31]**
وأكثر من دعاء النبي ﷺ:
> **«اللَّهُمَّ آتِ نَفْسِي تَقْوَاهَا، وَزَكِّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا، أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا»**
> رواه **صحيح مسلم**.
وكان من دعائه ﷺ أيضًا:
> **«يا مُقلِّبَ القلوبِ ثبِّتْ قلبي على دينِك»**
> رواه **سنن الترمذي**، وصححه أهل العلم.
فأكثر من الاستغفار، وأصلح ما بينك وبين الله، وردَّ المظالم إلى أهلها، وأخلص النية، فإن من أصلح سريرته أصلح الله علانيته، ومن أقبل على الله أقبل الله عليه.
## الخاتمة
ليس أعظم من أن يفتح الله لك باب التوفيق، وليس أشد على القلب من أن يُحرم منه. فإذا رأيت أمورك تتيسر في طاعة الله، وقلبك مقبلًا على الخير، ولسانك رطبًا بذكره، فاحمد الله كثيرًا، فهذه نعمة لا تُشترى بمال.
أما إذا وجدت تعثرًا دائمًا، وضيقًا في الصدر، ونفورًا من الطاعة، ففتش في نفسك، وجدِّد توبتك، وأكثر من الاستغفار، واسأل الله بإلحاح أن يرزقك التوفيق، فإنه سبحانه إذا وفق عبدًا، فتح له أبواب الخير كلها، وإذا وكله إلى نفسه، خسر الدنيا والآخرة.
**اللهم يا وليَّ التوفيق، وفِّقنا لما تحب وترضى، وأعنَّا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين، واجعل لنا من كل هم فرجًا، ومن كل ضيق مخرجًا، وارزقنا حسن الخاتمة. آمين.**