بسم الله الرحمن الرحيم
.....................................
عندما احتل الفرنسيون مصر عام 1798م، كان مصطفى البشتيلي تاجرًا ثريًا يمتلك "وكالة" لبيع الزيوت في بولاق أبو العلا، ويعيش حياة مرفهة.
لكنّه قرر مقاومة الاحتلال الفرنسي، فقام بتخزين البارود داخل براميل الزيت استعدادًا ليوم الثورة.
وشى به بعض جيرانه إلى السلطة الفرنسية، فأمرت بتفتيش الوكالة، وعثروا بالفعل على البارود داخل مخازنه، فأُلقي القبض عليه وزُج به في السجن عدة أشهر، ثم أُطلق سراحه بعد ذلك.
وكان بإمكانه أن يعيش حياته المرفهة، ويركّز على تجارته المربحة، ويتغاضى عن مقاومة المحتل الفرنسي، لكنه رفض ذلك تمامًا.
وفي مارس عام 1800 اندلعت ثورة القاهرة الثانية ضد الجيش الفرنسي، وهنا تحوّل مصطفى البشتيلي إلى زعيم حقيقي للثوار.
فكان يمدّهم بالأسلحة، وينفق من ماله لتلبية احتياجاتهم، ويقودهم بنفسه في غاراتهم المستمرة على معسكرات الفرنسيين.
وعندما استشعر الجنرال جان باتيست كليبر خطورة الثورة، عرض على الثائرين الصلح، لكنهم رفضوا، فشنّ الجيش الفرنسي هجومًا كاسحًا على القاهرة، استباح خلاله قتل المصريين وسبي نسائهم، وانهمرت المدافع الفرنسية تدك حي بولاق حتى أُحرق بالكامل.
تمكن الفرنسيون بعد ذلك من إخماد الثورة المصرية، وفرّ مصطفى البشتيلي هربًا منهم، لكنهم نجحوا في القبض عليه.
ولم يُرد كليبر أن يصدر قرارًا بإعدام البشتيلي مباشرة، حتى لا يتحول إلى بطل شعبي.
لذلك طلب من أهالي بولاق أن يعاقبوا البشتيلي بأنفسهم، بحجة أنه هو من حرّضهم على الفتنة التي أدت إلى إحراق بيوتهم، وقتل أقاربهم، وسبي نسائهم، فحمّله مسؤولية ما حدث لبولاق بدلًا من تحميلها للاحتلال نفسه.
والغريب أن الأهالي، الذين ضحّى البشتيلي بأمواله وحريته وحياته من أجلهم، اقتنعوا بأنّه السبب فيما حدث لهم، فقرروا معاقبته بـ"التجريس".
فأجلسوه على حمار بالمقلوب، وطافوا به في الشوارع، بينما كان الناس يبصقون في وجهه، ويصفعونه، ويشتمونه.
ثم انهال عليه الأهالي، حتى رجال البطل مصطفى_البشتيلي أنفسهم، ضربًا بالنبابيت حتى قتلوه نهائيًا.
" المواطنون_الشرفاء في كل زمان !"
المصادر التاريخية للقصة :
عبد الرحمن الجبرتي: كتاب (عجائب الآثار في التراجم والأخبار) - المجلد الثالث.
عبد الرحمن الرافعي: كتاب (تاريخ الحركة القومية وتطور نظام الحكم في مصر).
أندريه ريمون: كتاب (القاهرة - تاريخ مدينة).