إن لله سبحانه وتعالى أسماء حسنى وصفات علا؛ أمر سبحانه أن ندعوه بها وأن نتدبر معانيها ؛ قال تعالى:
( وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) [الأعراف: 180], وقال صل الله عليه وسلم
"إن لله تسعة وتسعين اسمًا، مئة إلا واحدًا، من أحصاها دخل الجنة " (البخاري)
وإن من أسماء الله الحسنى التي وردت في الكتاب والسنة: "الشافي" والشفاء يشمل شفاء الأبدان، وشفاء الصدور من الشبه والشهوات، قال تعالى:
( وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ ) [الشعراء: 80]. وقال تعالى
(وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ) [التوبة:14], وقال سبحانه
(قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ) [يونس:57]

و النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا عاد مريضًا يقول:
"أذهب الباس رب الناس، اشف أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقمًا" (مسلم) , وفي هذا الحديث طلب الشفاء من جميع الأمراض، وليس من ذاك المرض الذي أصيب به المريض، ويشرع للمسلم أن يقول: "يا شافي اشفني" فالله - عز وجل - يشفي من أمراض القلوب كالغل، والحسد، والشهوات، ويشفي من أمراض الأبدان، ولا يدعى بهذا الاسم سواه.

و عند البخاري من حديث أنس قال لبعض أصحابه:
( أَلاَ أَرْقِيكَ بِرُقْيَةِ رَسُولِ اللَّهِ صلي الله عليه وسلم قَالَ بَلَي ، قَالَ اللَّهُمَّ رَبَّ النَّاسِ مُذْهِبَ الْبَاسِ اشْفِ أَنْتَ الشَّافِي لاَ شَافِي إِلاَّ أَنْتَ ، شِفَاءً لاَ يُغَادِرُ سَقَمًا)
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو ربه بالشفاء، لأنه هو الذي يملك الشفاء والشفاء بيده تبارك وتعالى قال صلى الله عليه وسلم لسعدٍ بن أبي وقاص في مرضه : (
اللهم اشف سعداً، اللهم اشف سعداً، اللهم اشف سعداً ) (مسلم)

إذاً دلالة اسم الله "الشافي" تدل على شفاء الأجسام من العلل والأمراض وشفاء القلوب والعقول من أمراض الشبهات والشهوات والأحزان والمكدرات .

الله سبحانه هو الشافي جعل الشفاء من أمراض القلوب وأمراض الأجسام في أسباب ينبغي للمسلم أن يعمل بها ويبحث عنها على قدر طاقته وجهده مع اعتقاده الجازم بأن كل شيء بإرادة الله ومشيئته .
قال تعالى:
( وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا ) [الإسراء: 82]، وقال تعالى:
( يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ) [يونس: 57].

والموعظة: هي ما جاء في القرآن الكريم من الزواجر عن الفواحش والإنذار عن الأعمال الموجبة لسخط الله عز وجل المقتضية لعقابه ، والموعظة هي الأمر والنهي بأسلوب الترغيب والترهيب، وفي هذا القرآن الكريم شفاء لما في الصدور من أمراض الشبه، والشكوك، والشهوات، وإزالة ما فيها من رجس ودنس.

وأما أسباب شفاء الأبدان والأجسام من العلل والأمراض فهي كثيرة ومنها ؛ القرآن الكريم فكما هو شفاء للقلوب من امراض الشهوات والشبهات فهو كذلك سبب لشفاء الأبدان قال تعالى: (
قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ ) [فصلت: 44]، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يزور المرضى، ويدعو لهم، ويرقيهم بكتاب الله كما كان يرقي نفسه بالقرآن، كما في الصحيحين من حديث عائشة - رضي الله عنها -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقول للمريض:
"بسم الله تربة أرضنا، بريقة بعضنا، يشفي سقيمنا، بإذن ربنا"(البخاري) ، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم -
"ينفث على نفسه في مرضه الذي قبض فيه بالمعوذات"(مسلم) .

ومنها العسل: قال تعالى:
( وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ * ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ) [النحل: 68، 69].

ومنها الحبة السوداء: قال النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:
"في الحبة السوداء شفاء من كل داء إلا السام"، قال ابن شهاب: "والسام الموت"(البخاري), ومنها الحجامة: قال النبي - صلى الله عليه وسلم : "
الشفاء في ثلاثة: في شرطة محجم، أو شربة عسل، أو كية بنار، وأنا أنهي أمتي عن الكي"(البخاري), ومنها ما أنزله الله - عز وجل - في الأرض من ترابها، ومياهها، وأشجارها، وثمارها، وغير ذلك مما خص الله بعلمه من شاء من عباده من الأطباء والعلماء وأصحاب الخبرة والتجربة وعن طريق الأدوية والعمليات الجراحية والتدريبات الرياضية وغيرها فكلها من الأسباب المادية التي يجب التعامل بها خاصة من طبيب ماهر في عمله .
ومما ينبه عليه في هذا المقام أن بعض المرضى إذا أصيبوا بمرض تعلقت قلوبهم بالأسباب، كالمستشفيات، والأطباء، والأدوية والواجب أن يكون تعلق القلب بالذي أنزل الداء، ولا يرفعه إلا هو فالشافي هو الله سبحانه.

إن هذا الشفاء قد يتأخر لحكمة إلهية، رفعًا لدرجات المريض، وتكفيرًا لسيئاته ؛ قال تعالى عن أيوب عليه السلام بعد ثمانية عشر عام من الابتلاء
(وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ )[الأنبياء: 83، 84]. بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم
الشيخ حسان احمد العماري