بسم الله الرحمن الرحيم
....................................
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ﴾
كم لله عندنا من شهاداتٍ كتمناها، ونِعَمٍ عرفناها ثم لم نشهد لها كما ينبغي!
كم أرانا من فيض عطائه، فشهدنا النعمة ولم نشهد للمنعم حقَّه؛ وكم أضاء لنا من نور كتابه، فشهدنا الهدى ولم نحمله إلى غيرنا؛ وكم شرَّفنا بالانتساب إلى دينه، وعرَّفنا من هدي نبيه ما أقام الحجة في قلوبنا، ثم لم نقم بما شهدنا به.
فليست الشهادة أن تعلم الحق فحسب؛ فالعلم أولُ الشهادة، وليس تمامَها. وإنما تمامها أن ينزل المعلوم من العقل إلى القلب، ومن القلب إلى الإرادة، ومن الإرادة إلى الجوارح؛ حتى يتحول ما عرفته بصيرتك إلى ما تشهده حياتك.
فإذا عرفتَ الله حق المعرفة، لم يبق العلم فكرةً في ذهنك، بل صار هيبةً في قلبك، وخشيةً في سريرتك، ومراقبةً في خلوتك، واستقامةً في علانيتك.
وإذا عرفتَ نعمته، لم تعد النعمة شيئًا تستمتع به فحسب، بل صارت أمانةً تسأل نفسك: فيمَ استعملني المنعم بها؟
وإذا عرفتَ هداه، لم تعد الهداية معلومةً تحفظها، بل طريقًا تمشيه.
وإذا عرفتَ كتابه، لم يعد القرآن نصًّا تتلوه فحسب، بل خطابًا يتلو عليك أحوالك، ويكشف لك مواضعك من الله، ثم يطالبك أن تكون حيث أمرك.
وهنا يتحول العلم من خبرٍ تعرفه إلى أمرٍ يغيّرك؛ ومن معنى تستحضره إلى عهدٍ تنهض به.