بسم الله الرحمن الرحيم
.....................................
القائد الذي كاد يمحو مملكة الحبشة من الخريطة!
في النصف الأول من القرن السادس عشر، كانت مملكة الحبشة واحدة من أقوى الممالك في إفريقيا، تمتد نفوذها على مساحات واسعة، وتحظى بدعم القوى المسيحية في ذلك العصر.
وفي المقابل، كانت الإمارات الإسلامية في القرن الإفريقي تعيش حالة من الانقسام والصراع، حتى بدا وكأن سقوطها مسألة وقت.
وسط هذا الواقع المضطرب، ظهر رجل غيّر موازين القوى تمامًا.
كان اسمه **أحمد بن إبراهيم الغازي**، القائد الذي استطاع خلال سنوات قليلة أن يوحد الإمارات الإسلامية، ويقود حملة عسكرية كادت تنهي وجود مملكة الحبشة نفسها.
نشأ أحمد في مدينة هرر، حيث تلقى علومه الأولى على أيدي علمائها، ثم رحل إلى زيلع، فأتم حفظ القرآن الكريم ودرس الفقه والحديث واللغة، حتى عُرف بين الناس بعلمه قبل أن يُعرف بسيفه.
لكن الأحداث التي كانت تعصف بالمنطقة دفعته إلى ميدان القتال، ليصبح أحد أعظم القادة العسكريين في تاريخ شرق إفريقيا.
في ذلك الوقت، كانت إمارة عدل تعاني من الانقسامات الداخلية، بينما كانت جيوش الحبشة تتوسع على حساب الإمارات الإسلامية الواحدة تلو الأخرى.
أدرك أحمد أن مواجهة هذا الخطر لا يمكن أن تبدأ قبل توحيد الصف الإسلامي، فخاض أولًا صراعًا مع السلطان أبي بكر، وبعد انتصاره عليه أصبحت إمارة عدل تحت راية واحدة. وما إن استقرت له القيادة، حتى بدأ مشروعه الأكبر.
عام 1529، التقى جيش الإمام أحمد بقوات الإمبراطور لبنى دينجيل في معركة **شيمبرا كوري**، وهناك حقق انتصارًا هز أركان المملكة الحبشية. لم يكن ذلك مجرد انتصار عسكري، بل كان بداية سلسلة من الفتوحات المتلاحقة التي اجتاحت ديوارو وشيوا وأمهرة وليستا وتيجراي، حتى أصبحت معظم أراضي الحبشة تحت سيطرة إمارة عدل.
وخلال سنوات قليلة، بدا أن الإمبراطورية الإثيوبية، التي صمدت قرونًا طويلة، تقف على حافة السقوط. لكن الإمبراطور لبنى دينجيل توفي عام 1540، وخلفه ابنه **غالاوديوس**، الذي وجد نفسه يرث دولة منهكة وجيشًا ممزقًا. وأمام هذا الوضع، لجأ إلى آخر أمل متاح له، فاستغاث بالإمبراطورية البرتغالية.
استجابت البرتغال سريعًا، وأرسلت قوة بقيادة **دوم كريستوفاو دي جاما**، ابن المستكشف الشهير فاسكو دا جاما. وفي أوائل عام 1541 وصلت القوات البرتغالية إلى مصوع، وانضمت إلى الجيش الحبشي، لتتحول الحرب من صراع إقليمي إلى مواجهة دولية.
واجه الإمام أحمد هذا التحالف الجديد، واضطر في البداية إلى التراجع عن منطقة بحيرة تانا بسبب التفوق في التسليح. لكنه لم يستسلم، بل أرسل يطلب العون من الدولة العثمانية، فجاءه الدعم في صورة نحو سبعمائة مقاتل مزودين بالبنادق والمدافع، وهي أسلحة كانت كفيلة بإعادة التوازن إلى ساحة القتال.
وبهذه التعزيزات عاد الإمام أحمد إلى الهجوم.
وفي صيف عام 1542، التقى الجيشان في **معركة وفلة**، التي تُعد من أشهر معارك القرن الإفريقي. انتهت المعركة بانتصار ساحق لقوات إمارة عدل، وسقط عدد كبير من الجنود الحبشيين والبرتغاليين، كما أُسر القائد البرتغالي دوم كريستوفاو دي جاما، ثم قُتل بعد المعركة، في ضربة هزّت هيبة البرتغال في المنطقة.
وبدا مرة أخرى أن الطريق أصبح مفتوحًا أمام أحمد لإكمال مشروعه وإسقاط مملكة الحبشة نهائيًا.
غير أن الرياح لم تجرِ كما اشتهى.
فبعد انتهاء المعركة عاد معظم الجنود العثمانيين إلى اليمن، بينما استغل الإمبراطور غالاوديوس هذه الفرصة لإعادة تنظيم قواته، وجمع ما تبقى من الجيش الحبشي، مدعومًا بمن بقي من البرتغاليين. وفي الحادي والعشرين من فبراير عام 1543، التقى الطرفان في **معركة واينا داجا**، المعركة التي ستحدد مصير الحرب كلها.
كان التحالف الحبشي البرتغالي يتفوق في العدد والعتاد، ورغم القتال العنيف الذي خاضه الإمام أحمد ورجاله، انتهت المعركة بهزيمة جيش إمارة عدل، واستشهد أحمد بن إبراهيم الغازي وهو لم يتجاوز السابعة والثلاثين من عمره.
بموته توقفت الحملة التي استمرت أربعة عشر عامًا، وتوقفت معها محاولة كانت على وشك أن تغيّر تاريخ القرن الإفريقي بأكمله.
ورغم أن مشروعه لم يكتمل، فإن أحمد بن إبراهيم الغازي ترك وراءه إرثًا عسكريًا استثنائيًا، فقد وحّد الإمارات الإسلامية بعد تفرقها، وأخضع أكثر من ثلثي أراضي مملكة الحبشة، وأجبر واحدة من أقدم إمبراطوريات إفريقيا على الاستعانة بقوة أوروبية لإنقاذها من السقوط، ليبقى اسمه واحدًا من أبرز القادة العسكريين في تاريخ المنطقة.