بسم الله الرحمن الرحيم
.......................................
كم من كلمةٍ قاسيةٍ هدمت بيتًا، وكم من نظرةِ احتقارٍ مزقت قلبًا، وكم من أسلوبٍ جافٍ فرّق بين صديقٍ وصديقه، أو بين ابنٍ وأبيه، أو بين زوجٍ وزوجته!
إن الناس لا يهربون دائمًا من قلة المال أو ضيق الحياة، ولكنهم كثيرًا ما يهربون من قسوة القلوب. ولهذا أنزل الله هذه الآية العظيمة يخاطب بها خير البشر، سيدنا محمد ﷺ:
**﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾** [آل عمران: 159].
تأمل... الخطاب موجَّه إلى رسول الله ﷺ، وهو أكمل الناس خُلُقًا، ليُعلِّم الأمة كلها أن الدعوة إلى الله، وتربية الأبناء، وإصلاح الناس، وكسب القلوب، لا يكون بالغلظة ولا بالصوت المرتفع، وإنما يكون بالرحمة واللين.
لقد كان النبي ﷺ يرى أخطاء أصحابه، فلا يفضحهم، ويشهد تقصيرهم، فلا يُقنطهم، ويقابل إساءتهم بالإحسان. حتى من آذاه، ودعا عليه الناس، قال: **«اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون»**.
وقال ﷺ: **«إِنَّ الرِّفْقَ لَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ، وَلَا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ»**. وقال أيضًا: **«مَنْ يُحْرَمِ الرِّفْقَ يُحْرَمِ الْخَيْرَ كُلَّهُ»**.
إن بعض الناس يظن أن الشدة دليل قوة، وأن العبوس هيبة، وأن قسوة الكلام تفرض الاحترام، والحقيقة أن الهيبة الحقيقية يصنعها حسن الخلق، وأن القلوب لا تُفتح بالمفاتيح الحديدية، وإنما تُفتح بمفتاح الرحمة.
فاسأل نفسك:
* هل يفرح الناس بوجودي أم يتمنون انصرافي؟
* هل يطمئن أبنائي للحديث معي أم يخشون غضبي؟
* هل يقترب مني الناس لأنهم يحبونني، أم يبتعدون خوفًا من لساني؟
قد تكون على حق، ولكن أسلوبك يجعلك تخسر الحق وأهله. وقد تملك الحجة، لكنك تخسر القلوب بسبب القسوة.
تذكر دائمًا أن الكلمة الطيبة قد تغيّر حياة إنسان، وأن الابتسامة صدقة، وأن الرحمة ليست ضعفًا، بل خُلُق الأنبياء والصالحين.
فإذا أردت أن يحبك الناس، وأن يبارك الله في دعوتك، وأن يفتح لك القلوب، فاجعل شعارك قول الله تعالى:
**﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾**.
فالقلوب لا تُؤسر بالقوة، وإنما تُؤسر بالأخلاق، وما كان الرفق في شيء إلا زانه، وما نُزع من شيء إلا شانه.