بسم الله الرحمن الرحيم
..............................
استيقظ جحا ذات ليلة على صوت حركة غريبة في بيته، ففتح عينيه ليجد لصاً يتسلل بين أثاثه المتواضع في ظلام الليل، يبحث عن أي شيء ثمين يسرقه.
بدلاً من أن يصرخ أو يفزع، جلس جُحا في فراشه بهدوء تام وقال للص بصوت خافت: "أهلاً وسهلاً بك يا أخي، لكن دعني أخبرك بصراحة: أنا نفسي أبحث في هذا البيت منذ سنوات عن شيء ثمين ولم أجده! فإن وجدتَ أنت شيئاً، أخبرني به لأشاركك الفرح!"
فتوقف اللص مذهولاً من رد فعل جُحا الغريب، وسأله: "أتعني أن بيتك فارغ تماماً؟! لا مال ولا ذهب ولا شيء؟"
فأجاب جُحا وهو يتثاءب: "والله لو كان عندي شيء ثمين، ما كنتُ أنام في مثل هذا الليل البارد بلا حراسة! ابحث كما شئت، ولكن لا تُتعب نفسك كثيراً، فقد بحثتُ أنا قبلك في كل زاوية."
فضحك اللص رغماً عنه من صدق جُحا الساخر، وقرر أن يجرب حظه رغم كل شيء، فبدأ يفتش في الصناديق والخزائن القديمة. وبعد وقت طويل من البحث العبثي، لم يجد شيئاً يستحق السرقة سوى بعض الأواني القديمة وقطعة قماش بالية.
فالتفت اللص إلى جُحا محبطاً وقال: "والله يا رجل، لقد صدقتَ! ليس في بيتك ما يستحق السرقة!"
فرد جُحا بابتسامة هادئة: "أرأيت؟ لم أكذب عليك! والآن، بما أنك أضعتَ وقتك في البحث الفاشل، دعني أعطيك نصيحة مجانية: إن أردتَ أن تسرق بيتاً، فابحث عن بيت الوالي أو التاجر الكبير، فبيوت الفقراء مثلي لا تستحق عناء التسلل!"
فضحك اللص من قلبه وقال: "والله يا جُحا، أنت أغرب رجل قابلته في حياتي! جئتُ لأسرقك فخرجتُ بنصيحة بدلاً من الغنيمة!"
وقبل أن ينصرف، سأله اللص بفضول: "ألا تخاف مني؟ أنا لص وقد أؤذيك!"
فقال جُحا: "لماذا أخاف من رجل يسرق ليعيش، وأنا أعيش بلا شيء أصلاً؟ أنت تخاف من الفقر، وأنا صالحت الفقر منذ زمن طويل، فمن منا الأكثر أماناً؟"
فانصرف اللص وهو يهز رأسه معجباً بحكمة هذا الرجل الفقير الذي حوّل ليلة سرقة فاشلة إلى درس في الرضا والقناعة.