بسم الله الرحمن الرحيم
......................................
# عدم التوفيق... أخطر عقوبة قد لا تشعر بها
ليس كل فقيرٍ محرومًا، وليس كل مريضٍ مبتلًى، وليس كل من ضاقت به الدنيا قد غضب الله عليه.
لكن هناك عقوبةٌ أشد، ومصيبةٌ أخفى، يخشاها الصالحون أكثر من خوفهم من الفقر والمرض... إنها **أن يُرفع عنك التوفيق**.
أن تستيقظ كل يوم تسعى، وتتعب، وتخطط، ثم لا ترى إلا التعثر بعد التعثر، وأن تُفتح أبواب الخير لغيرك بينما تُغلق في وجهك، وأن يلين قلب غيرك للطاعة بينما تجد قلبك قاسيًا، وأن تسمع القرآن فلا يهزك، وتقوم إلى الصلاة وكأنك تحمل جبلًا فوق كتفيك.
إنها ليست مصادفة... إنها رسالة.
قال الله تعالى:
> **﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾**
> **[هود: 88]**
فالتوفيق ليس ذكاءً، ولا شهادةً، ولا منصبًا، ولا مالًا، وإنما هو نور يقذفه الله في قلب من أحبه، فييسر له الخير، ويصرف عنه الشر، ويفتح له من الأبواب ما يعجز عنه الأقوياء.
## قد تكون أغنى الناس... وأفقرهم توفيقًا
كم من إنسان جمع الأموال، وخسر أبناءه.
وكم من صاحب منصبٍ عظيم، يعيش في قلقٍ لا يفارقه.
وكم من شابٍ ذكي، ضاعت حياته في المعاصي حتى أصبح لا يعرف طريقًا إلى الله.
وفي المقابل، تجد عبدًا بسيطًا لا يملك إلا قوت يومه، لكنه ينام وقلبه مطمئن، ويستيقظ على طاعة، ويبارك الله في رزقه وأهله وعمره... لأنه رُزق أعظم نعمة: **التوفيق**.
## لماذا يُحرم الإنسان من التوفيق؟
لأن الذنوب لا تقتل الجسد فقط... بل تقتل القلب.
كل معصية تُظلم بها صفحة القلب، حتى إذا تكاثرت الذنوب، انطفأ نور الهداية، وأصبح الإنسان يرى الباطل حقًا، والحق باطلًا.
قال الله تعالى:
> **﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ۚ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾**
> **[الصف: 5]**
وقال سبحانه:
> **﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ﴾**
> **[الشورى: 30]**
فرب معصيةٍ استصغرها صاحبها، كانت سببًا في حرمانه قيام الليل، أو لذة القرآن، أو بركة الرزق، أو صلاح الأبناء، أو سكينة القلب.
## احذر... فقد تكون النعمة استدراجًا
ليس كل توسعة في الدنيا علامة رضا.
قد يعطي الله العبد المال، والصحة، والجاه، وهو بعيد عنه، حتى يظن أنه على خير.
قال تعالى:
> **﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ ۖ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ﴾**
> **[الأنعام: 44]**
فليس الخوف أن تقلَّ الدنيا بين يديك، وإنما الخوف أن تكثر نعمها ويقل نصيبك من الطاعة.
## الذنب يحرم صاحبه الخير
قال رسول الله ﷺ:
> **«إنَّ الرجلَ ليُحرَمُ الرزقَ بالذنبِ يُصيبُه»**
> رواه الإمام أحمد وابن ماجه، وحسنه جمع من أهل العلم.
فإذا كان الذنب يحرم الرزق، فكيف بما هو أعظم من الرزق؟
كم من إنسان حُرم الدعاء، وحُرم الخشوع، وحُرم دمعةً في جوف الليل، وحُرم صحبة الصالحين، وحُرم حسن الخاتمة بسبب ذنوبٍ أصر عليها ولم يتب منها.
## أعظم علامات التوفيق
ليست أن تصبح مشهورًا...
وليست أن يصفق لك الناس...
وليست أن تملك ما لا يملكه غيرك...
بل أن يراك الله كلما زللت عدت إليه، وكلما أذنبت استغفرت، وكلما سمعت الحق اتبعته.
قال الله تعالى:
> **﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا﴾**
> **[فصلت: 30]**
## لا تيأس... فما دام الباب مفتوحًا فلا تقنط
مهما كثرت ذنوبك، فلا تجعل الشيطان يقنعك أن التوفيق قد انتهى.
إن الله يحب التائبين، ويفرح برجوع عبده إليه.
قال سبحانه:
> **﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾**
> **[الزمر: 53]**
وكان من دعاء النبي ﷺ:
> **«يا مُقلِّبَ القلوبِ ثبِّتْ قلبي على دينِك»**
> رواه **سنن الترمذي**.
فأكثر من الاستغفار، وأصلح ما بينك وبين الله، وردَّ الحقوق إلى أصحابها، وداوم على الدعاء، فما خاب عبدٌ وقف على باب ربه صادقًا.
## الخاتمة
إذا رأيت نفسك تُوفَّق للطاعة، وتُرزق قلبًا خاشعًا، ولسانًا ذاكرًا، وعينًا دامعة، فاعلم أن الله أراد بك خيرًا عظيمًا.
أما إذا رأيت قلبك يبتعد عن القرآن، ولسانك يثقل عن الذكر، ونفسك تتساهل في المعصية، فلا تؤجل التوبة، فقد تكون هذه بداية الحرمان.
**إن أخطر ما قد يُسلب منك ليس المال، ولا الصحة، ولا المنصب... بل أن يُقال لك بلسان الحال: تُركتَ إلى نفسك.**
فاسأل الله كل صباح ومساء أن لا يكلك إلى نفسك طرفة عين، فإن من وكله الله إلى نفسه هلك، ومن تولاه الله بالتوفيق سعد في دنياه، وفاز في آخرته.
**اللهم لا تحرمنا لذة القرب منك، ولا بركة التوفيق لطاعتك، ولا نور الهداية، واجعلنا ممن إذا أذنب استغفر، وإذا ابتُلي صبر، وإذا أُنعِم عليه شكر، واختم لنا بخير، واجعل آخر كلامنا من الدنيا: لا إله إلا الله، محمد رسول الله. اللهم آمين.**