بسم الله الرحمن الرحيم
...................................
تخيل أن يفتح جيشٌ جرار أعظم مدن آسيا، ويستقر الجنود داخل حصونها.. وفجأة يصدر قاضٍ بسيط يجلس على الحصير حكماً فوريّاً بطرد الجيش المنتصر بالكامل خارج أسوار المدينة؛ لأن القائد خالف القانون!
في أواخر القرن الأول الهجري، زحف القائد العسكري الشهير "قتيبة بن مسلم الباهلي" نحو مدينة "سمرقند" العظيمة (في أوزبكستان حالياً)، درة طريق الحرير وأمنع حصون آسيا الوسطى.
وبخطة عسكرية مباغتة، اقتحم الجيش المدينة وسيطر عليها بالكامل، دون أن يمنح أهلها المهلة القانونية في شريعة الحرب الإسلامية (التخيير بين الإسلام، أو العهد والجزية، أو القتال مع إمهالهم ثلاثة أيام).
ظنّ كهنة سمرقند وأهلها أنهم أمام غزاة كغيرهم، لا يحكمهم سوى قانون القوة والسيف. لكنهم سمعوا همساً عجيباً من جنود المسلمين؛ سمعوا أن في عاصمة الدولة (دمشق) خليفة جديداً اسمه "عمر بن عبد العزيز"، لا يظلم عنده أحد حتى لو كان الخصم هو قائد جيشه!
قرر كهنة سمرقند اختبار هذه "الأسطورة". أرسلوا وفداً سرياً قطع آلاف الكيلومترات عبر الجبال والصحاري حتى وصل إلى دمشق، ورفعوا شكوى رسمية ضد القائد الفاتح!
لم يبرر الخليفة لقائده، ولم يقل "الأمر انتهى وهذه مصلحة الدولة العليا"، بل كتب رسالة مقتضبة وصارمة إلى واليه هناك:
"إن أهل سمرقند قد شكوا ظلماً وتحاملاً أصابهم من قتيبة.. فإذا أتاك كتابي فأجلِس لهم قاضياً ينظر في أمرهم، فإن قضى لهم أخرِج المعسكر كله إلى ما وراء الأسوار كما كنتم قبل أن تدخلوها!".
في قلب سمرقند، عُقدت أغرب محاكمة في تاريخ البشرية..
جلس القاضي "جُميع بن حاضر الباجي" في مجلس بسيط، ونادى المنادي على المدعي والمدعى عليه. دخل كبير كهنة سمرقند، وبجانبه وقف قائد الجيوش الإسلامية بلا حرس ولا سلاح، وقد ناداه القاضي باسمه مجرداً من كل الألقاب العسكرية!
التفت القاضي إلى القائد العسكري وسأله مباشرة: "ما تقول في شكوى هؤلاء؟ هل دعوتهم إلى إحدى الخصال الثلاث وأمهلتهم قبل أن تباغتهم؟".
حاول القائد التبرير بأن المدينة كانت حصينة وأن المفاجأة العسكرية وفّرت الدماء.. فقاطعه القاضي بحسم لا يقبل الجدل: "أدعوتهم أم لا؟!".
أطرق القائد رأسه أمام هيبة الحق وقال: "لا، بل باغتناهم".
هنا، نطق القاضي بالحكم الذي جمّد الدماء في عروق كل من في القاعة:
**"إن الله ما نصر هذه الأمة إلا بالدين واجتناب الغدر.. حكمتُ بأن يخرج جيش المسلمين جميعاً من سمرقند فوراً، ويردوا المدينة إلى أهلها وحكامها، ثم ينذرهم القائد من جديد على بصيرة، فإن شاءوا صالحوا وإن شاءوا قاتلوا!"**
خرج الكهنة من المحكمة وهم يظنون أنها مجرد مسرحية هزلية، فمن المستحيل أن يتخلى جيش منتصر عن مدينة فتحها بدمائه بسبب ورقة وقاضٍ!
لكن مع عصر ذلك اليوم، سمع أهل سمرقند أبواق الرحيل تدوي في الشوارع. ومن نوافذ بيوتهم، شاهدوا مشهداً لا يصدقه عقل: آلاف الجنود الفاتحين يطوون خيامهم، ويحملون أسلحتهم، ويخرجون في طوابير منظمة وهادئة خارج أبواب المدينة، تاركين سمرقند لأهلها تنفيذاً لحكم القضاء!
في تلك اللحظة، انهارت كل الحواجز النفسية في قلوب أهل المدينة؛ خرج الكهنة والسكان يركضون خلف الجيش المنسحب وهم يصرخون في ذهول ودموع:
"لا ترحلوا! قومٌ هذا عدلهم، وهذه شريعتهم على أنفسهم قبل أعدائهم، لا يُحاربون!"
.. وأعلنت سمرقند بأكملها دخولها في الإسلام طواعية في يوم واحد دون قطرة دم!
السيوف قد تفتح الأسوار والحصون الحجرية.. لكن "العدل" وحده هو الذي يفتح القلوب ويؤسس الحضارات.