بسم الله الرحمن الرحيم
.......................................
قصة السحرة مع نبي الله موسى عليه السلام، وهي من اروع القصص القرانية التي تظهر قوة الحق وزهوق الباطل، وايمان قوم بعد كفر عظيم، وصبرهم على عذاب الطاغية.
كان فرعون ملك مصر، جبارا عاتيا، تجبر في الارض وادعى الربوبية، وقال لقومه: انا ربكم الاعلى، واستعبد بني اسرائيل وقتل ابناءهم واستحياء نساءهم، وظن انه لا يد له في الارض، وانه اقوى من كل من فيه، وارسل الله اليه موسى وهارون عليهما السلام يدعوانه الى عبادة الله الواحد القهار، ويطلبان منه ان يرسل معهما بني اسرائيل.
فلما جاءه موسى بالمعجزات البينة، العصا التي تلقف ما يأفكون، واليد البيضاء التي تخرج من جيبه كأنها شهاب من نور، قال فرعون لمن حوله من الملأ والوزراء: ان هذا لساحر عليم، يريد ان يخرجكم من ارضكم بسحره، فماذا تامرون؟ قالوا: ارجه واخاه وابعث في المدائن حاشرين، يأتوك بكل سحار عليم.
فجمع فرعون جيشه وارسل مندوبيه الى كل مدن مصر واقاليمها، يبحثون عن اشهر السحرة واعلمهم، فوعدوهم بالمال الجزيل والجوائز العظيمة والمناصب الرفيعة ان هم غلبوا موسى، فجاء السحرة من كل حدب وصوب، واجتمعوا في موعد محدد، وكان عددهم سبعين رجلا، او سبعة وسبعين، وهم من ابرع الناس في فن السحر، يقلبون الحبال والعصي فتتحرك كأنها حيات تسعى.
وفي اليوم الموعود، وهو يوم الزينة الذي جعله فرعون عيدا للناس، اجتمع الخلق الكثير من المصريين على ارض واسعة، وجيء بموسى عليه السلام، وجيء بالسحرة، وكانوا يتسابقون الى فرعون يسألونه: ان لنا لاجرا ان كنا نحن الغالبين؟ فقال فرعون: نعم، وانكم من المقربين.
فلما وقف السحرة امام موسى، قالوا له: اما ان تلقى، واما ان نكون اول من يلقي. قال موسى: بل القوا. فالقوا حبالهم وعصيهم، والقوا سحرا عظيما، فتخيل للناس انها حيات تسعى بسرعة، وايقن موسى في نفسه ان هذا السحر قد اوهم الناس وخيل اليهم، فاوجس في نفسه خيفة، ولكن الله اوحى اليه: ان لا تخف، انك انت الاعلى، والق ما في يمينك تلقف ما صنعوا، انما صنعوا كيد ساحر، ولا يفلح الساحر حيث اتى.
فالقى موسى عصاه، واذا بها تتحول الى ثعبان مبين عظيم، يفتح فاه ويلقف كل ما صنعه السحار من حبال وعصي، فتلتهمها واحدة تلو الاخرى، حتى ابتلعت كل سحرهم، واضمحل باطلهم، ورجعوا خاسرين، وصار السحرة لا يملكون ان ينكروا ما راوه، لانهم اهل خبرة في هذا الفن، فعلموا يقينا ان ما فعله موسى ليس سحرا، وانما هو امر من السماء، فلا يمكن لسحر ان يبتلع سحرا بهذه الطريقة، وانما هو معجزة الهية.
فما كان منهم الا ان سجدوا لله رب العالمين، سجود ايمان وخضوع، وهم يبكون ويقولون بصوت واحد عال: آمنا برب هارون وموسى، آمننا بالله الذي ارسل موسى بالحق، وتركوا سحرهم وكفرهم، واطلقوا ايمانهم لا يخافون لومة لائم.
فلما رای فرعون هذا المشهد، تغير لونه وانقلب غضبا، وقال لهم: اآمنتم له قبل ان آذن لكم؟ انه لكبيركم الذي علمكم السحر، وانه لمكر توأطاتم عليه في المدينة لتخرجوا منها اهلها، فسوف تعلمون، لأقطعن ايديكم وأرجلكم من خلاف، ولأصلبنكم في جذوع النخل، ولتعلمن أيكم أشد عذابا وابقى.
فقال له السحرة، وهم في قمة الثبات واليقين: لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات والذي فطرنا، فاقض ما انت قاض، انما تقضي هذه الحياة الدنيا، انا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا وما اكرهتنا عليه من السحر، والله خير وابقى، انه من يأت ربه مجرما فان له جهنم، ومن يأته مؤمنا قد عمل الصالحات فاولئك لهم الدرجات العلى.
فامر فرعون بقطع ايديهم وارجلهم من خلاف، وصلبهم على جذوع النخل، وتركهم تحت الشمس الحارقة حتى ماتوا شهداء، وما تلكا على الايمان ولا ترددوا، بل ماتوا على التوحيد، راضين بقضاء الله، متطلعين الى لقائه، فهم من اعظم الناس ايمانا بعد الانبياء.
وتعلمنا هذه القصة ان الايمان بالله يعطي العبد قوة لا يملكها طاغية، وان العلماء والارباب اذا راوا الحق عرفوه واتبعوه ولو كان الثمن حياتهم، وان سحر الدنيا مهما عظم يزول بكلمة حق، وان العاقبة للمتقين، ولو تأخر النصر في الدنيا، فان الجنة هي دار الخلود.
وتعلمنا هذه القصة أن يعلم الناس ان الله ناصر عباده المؤمنين، وان الايمان يرفع الانسان فوق كل عذاب وبلاء، وان من باع الدنيا بالاخرة ربح البيع ولم يخسر، ولنذكر ان فرعون غرق في البحر وبقيت جثته اية للناس، بينما السحرة صعدت ارواحهم الى الجنة، فاختر لنفسك الطريق الذي تريده، طريق المؤمنين الصادقين، والله مع الصابرين.