بسم الله الرحمن الرحيم
-----------------------------------
من أعظم وأقوى قصص الصبر والثبات في التاريخ العربي والإسلامي، هي قصة التابعي الجليل **عروة بن الزبير** (ابن أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما).
هذه القصة ليست مجرد حكاية عن تحمل الألم، بل هي درس حي في كيفية استقبال أقدار الله بقلبٍ راضٍ ونفسٍ مطمئنة في أحلك الظروف.
---
## 🔷 فاجعتان في يوم واحد 🔷
سافر عروة بن الزبير من المدينة المنورة متوجهاً إلى دمشق لزيارة الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك. ولم يكن يعلم أن هذه الرحلة ستشهد اختباراً يزلزل الجبال.
1. الابتلاء الأول: بتر ساقه
أثناء الطريق، أصيبت رجله بمرض "الأكلة" (الغرغرينا)، وبدأت تتآكل بسرعة. وعندما وصل إلى دمشق، اجتمع الأطباء وقرروا أنه لا بد من **بتر ساقه من الركبة** فوراً، حتى لا ينتشر السم في جسده كله ويموت.
* **رفضه للمُسكّرات:** عرض عليه الأطباء أن يشرب مرقداً (مخدراً أو خمراً) لكي لا يشعر بألم القطع، فرفض بشدة وقال: *"ما كنت أظن أحداً يؤمن بالله يشرب شراباً يزيل عقله حتى لا يعرف ربه!"*
* **الصبر عند القطع:** طلب منهم أن يقطعوها وهو قائم يصلي أو في حالة سجود، فجاء الطبيب بمنشاره وحسم ساقه، وعروة يهلل ويكبر ويذكر الله، ولم يُسمع منه إلا أنين خفيف من شدة الألم، ثم أُغمي عليه.
# 2. الابتلاء الثاني: فقدان فلذة كبده
في نفس اليوم الذي بُترت فيه ساقه، وبينما هو مغمى عليه، دخل ابنه الشاب المحبوب "محمد" إلى حظيرة خيول الخليفة، فضربته فرسٌ برجلها ضربةً قاتلة مات على إثرها فوراً!
# 💡 مشهد الصبر الأسطوري
عندما أفاق عروة من غيبوبته، أراد الخليفة والناس تعزيته ومواساته في المصيبتين اللتين وقعتا في بضع ساعات (فقد ساقه وفقد ابنه). فماذا كان رد فعله؟
نظر عروة إلى رجله المبتورة وقال:
> **"اللهم لك الحمد، إن كنتَ قد أخذتَ فقد أبقيتَ، وإن كنتَ قد ابتليتَ فلقد عافيتَ؛ أخذتَ عضواً وأبقيتَ لي أعضاءً، وأخذتَ ابناً وأبقيتَ لي أبناءً."**
ثم أخذ ساقه المبتورة، وقبّلها وقال وهو يوجه كلامه إليها:
> *"أما وعزةِ مَن حملني عليكِ في عتمات الليل إلى المساجد، إنه ليعلم أني ما مشيتُ بكِ إلى حرام قط."*
## 📌 العِبرة المستفادة من القصة
* **رؤية النصف الممتلئ:** الصبر الحقيقي ليس مجرد كتمان الغيظ، بل هو القدرة على رؤية نعم الله المتبقية وسط ركام الخسائر. عروة ركز على الأعضاء الستة الباقية والأبناء الآخرين، ولم يغرق في الحزن على ما فُقد.
* **الرضا بالقدر:** الإيمان بأن الخيرة دائماً فيما اختاره الله، وأن الابتلاء ليس دليلاً على غضب الله، بل هو بوابة لرفع الدرجات.