بسم الله الرحمن الرحيم
......................................
الصحابي الذي وقف في صف الإيمان رغم أن أباه كان في مقدمة صف المشركين
حين يختبر الله القلوب تظهر حقيقة الإيمان ويصبح الولاء لله ورسوله فوق كل رابطة مهما كانت قوية وهذه هي قصة الصحابي الجليل أبي حذيفة بن عتبة رضي الله عنه الذي قدم العقيدة على النسب ورضا الله على كل متاع الدنيا
ولد أبو حذيفة في بيت من أشرف بيوت قريش وكان أبوه عتبة بن ربيعة من كبار سادات مكة وأصحاب المكانة الرفيعة وكان الناس ينتظرون أن يسير الابن على طريق أبيه وأن يرث مجده وسلطانه لكن الله اختار له طريقا أعظم طريق الإيمان
أسلم أبو حذيفة في الأيام الأولى للدعوة قبل أن يتخذ رسول الله ﷺ دار الأرقم مكانا يجتمع فيه بالمسلمين فكان من السابقين الأولين الذين تحملوا الأذى وصبروا على البلاء ولم تغره مكانة أبيه ولا جاه أسرته بل باع الدنيا كلها ابتغاء مرضاة الله
ولما اشتد ظلم قريش للمؤمنين كان من أوائل من هاجروا إلى الحبشة فرارا بدينهم ورافقته زوجته الصالحة سهلة بنت سهيل بن عمرو وهناك رزقهما الله ابنهما محمد بن أبي حذيفة ليبدأ حياته بعيدا عن وطنه في سبيل الحفاظ على الإيمان
عرف أبو حذيفة بالشجاعة والثبات وحسن الخلق وكان جميل الهيئة طويل القامة قوي العزيمة لا يخشى في الله لومة لائم
ثم جاء يوم بدر اليوم الذي فرق الله فيه بين الحق والباطل فاصطف المسلمون في جهة واصطف المشركون في الجهة الأخرى وكان من بين قادة قريش أبوه عتبة بن ربيعة بينما وقف أبو حذيفة في صفوف المسلمين يدافع عن دين الله ويثبت مع إخوانه المؤمنين ولم تمنعه رابطة الأبوة من الوقوف مع الحق لأن الإيمان كان أعظم عنده من كل نسب
وانتهت المعركة بنصر المسلمين وقتل عتبة مع كبار زعماء قريش وبعد أن انتهى القتال رأى رسول الله ﷺ أثرا للحزن على وجه أبي حذيفة فسأله برفق لعلك دخلك من شأن أبيك شيء
فقال أبو حذيفة رضي الله عنه والله يا رسول الله ما شككت في أبي ولا في مصرعه ولكني كنت أعرف من أبي رأيا وحلما وفضلا فكنت أرجو أن يهديه الله إلى الإسلام فلما رأيت ما أصابه حزنت لأنه مات على الكفر
فكانت كلماته دليلا على صدق إيمانه ورحمة قلبه فلم يكن حزنه اعتراضا على حكم الله وإنما كان أسفا على أن أباه فارق الدنيا دون أن ينال نعمة الإسلام فدعا له رسول الله ﷺ بخير وطيب خاطره
وظل أبو حذيفة بعد ذلك ملازما لرسول الله ﷺ فشهد أحدا والخندق والحديبية وسائر المشاهد وكان من خيرة الصحابة علما وإخلاصا وثباتا
وكان إلى جانبه سالم مولى أبي حذيفة الذي أعتقه ورباه حتى أصبح من كبار قراء القرآن ولم تعد العلاقة بينهما علاقة سيد بمولى بل أصبحت أخوة صادقة جمعها الإيمان وربطتها طاعة الله
وبعد انتقال رسول الله ﷺ إلى الرفيق الأعلى خرج أبو حذيفة مع جيش الخليفة أبي بكر الصديق رضي الله عنه لقتال المرتدين في معركة اليمامة وكان يقاتل مع سالم كتفا بكتف حتى نالا شرف الشهادة في يوم واحد وكأن الله جمع بينهما في الحياة وجمعهما في خاتمة الطريق
واختلفت الروايات في عمر أبي حذيفة عند استشهاده فقيل ثلاث وخمسون سنة وقيل أربع وخمسون وقيل ست وخمسون سنة لكن الجميع اتفقوا على أنه رحل بعد حياة امتلأت بالإيمان والجهاد والتضحية
لقد ترك أبو حذيفة رضي الله عنه للأمة درسا لا ينسى وهو أن المؤمن الصادق يجعل محبة الله ورسوله فوق كل محبة وأن الرحمة بالناس لا تعني التنازل عن الحق وأن الثبات على الدين هو أعظم ما يملكه الإنسان في دنياه وآخرته