بسم الله الرحمن الرحيم
.....................................
قد ترى إنسانًا يعصي الله ليلًا ونهارًا، ومع ذلك يزداد ماله، وتتسع تجارته، ويعلو شأنه، ويعيش في صحة وعافية. فيتسلل إلى قلب البعض سؤال: **أين عدل الله؟ ولماذا يُمهل العاصي؟**
وجاء الجواب من القرآن في قوله تعالى:
> **﴿قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَٰنُ مَدًّا﴾**
> *(مريم: 75).*
إنها آية تهز القلوب، وتصحح المفاهيم. فليس كل ما يراه الناس خيرًا يكون خيرًا عند الله، وليس كل تأخير للعقوبة إهمالًا، بل قد يكون إمهالًا لحكمة، أو استدراجًا حتى تبلغ الحجة غايتها.
وقد قال الله سبحانه أيضًا:
> **﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ ۚ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾**
> *(آل عمران: 178).*
وقال عز وجل:
> **﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ ۖ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً﴾**
> *(الأنعام: 44).*
تأمل هذا المشهد القرآني: أبواب الرزق مفتوحة، والأسباب ميسرة، والنجاح يتوالى، حتى يظن الإنسان أنه بلغ الأمان، فإذا بالأخذ يأتي فجأة، دون مقدمات. ولذلك كان السلف يخافون من النعم إذا لم تُقرِّبهم من الله.
وروى النبي ﷺ فقال:
> **«إن الله لَيُمْلِي للظالم، حتى إذا أخذه لم يُفلته.»**
> ثم قرأ: **﴿وَكَذَٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ ۚ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾**.
> *(متفق عليه).*
وفي حديث آخر قال ﷺ:
> **«إذا رأيتَ اللهَ يُعطي العبدَ من الدنيا على معاصيه ما يحب، فإنما هو استدراج.»** ثم تلا قوله تعالى: **﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ...﴾**.
> *(رواه أحمد، وصححه عدد من أهل العلم).*
لكن ينبغي أن نفهم أمرًا مهمًا: ليس كل غنيٍّ مستدرجًا، ولا كل فقيرٍ محبوبًا، ولا كل نجاحٍ علامة رضا، ولا كل بلاءٍ علامة غضب. فالمعيار الحقيقي هو: **هل تقودك النعمة إلى الطاعة أم إلى الغفلة؟ وهل يدفعك البلاء إلى الصبر والرجوع إلى الله أم إلى الاعتراض واليأس؟**
إن أخطر ما يصيب القلب أن يعتاد الذنب، ثم لا يرى أثره، فيظن أن الأمر هيِّن، بينما يكون قد دخل في دائرة الإمهال التي حذر الله منها.
ولهذا كان الصالحون إذا وسَّع الله عليهم، نظروا أولًا إلى قلوبهم، لا إلى أرصدتهم. فإن وجدوا النعمة تزيدهم شكرًا وخشيةً وحسن عمل، حمدوا الله. وإن وجدتها تزيدهم غفلةً وتقصيرًا، خافوا على أنفسهم، وأكثروا من التوبة والاستغفار.
فلا تنخدع ببريق الدنيا، ولا تقارن بين طريقك وطريق غيرك. فقد يُمهَل العاصي، ويُبتلى المؤمن، ولكن النهاية ليست عند أول الطريق، وإنما عند لقاء الله.
واجعل شعارك دائمًا قول الله تعالى:
> **﴿فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ كَلَّا﴾** *(الفجر: 15-17).*
**العبرة ليست بما في يدك، بل بما في قلبك. وليست بكثرة ما تملك، بل بقربك من الله. فمن كان مع الله، فقد ربح وإن قلَّت دنياه، ومن أعرض عن الله، فقد خسر وإن مُلئت يداه من الدنيا.**