بسم الله الرحمن الرحيم
.....................................
من الأخطاء التي يقع فيها بعض الناس أن يتعامل مع الدعاء وكأنه **صفقة مشروطة** مع الله، فيقول في نفسه:
«يا رب، إن أعطيتني كذا فسأفعل كذا!»
أو يختبر الله بطريقة غير لائقة: «سأفعل هذا، فإن استجاب الله لي علمتُ أن الأمر خير!»
وهنا ينبغي أن نتذكر حقيقة عظيمة:
**الله تعالى لا يُشترَط عليه، ولا يُجَرَّب، ولا يُمتحَن سبحانه.**
أنت عبد، وهو ربّك.
أنت لا تعلم، وهو يعلم.
أنت ترى اللحظة، وهو يعلم العاقبة.
أنت تريد شيئًا لأنك تظنه خيرًا، بينما قد يكون الخير كل الخير في أن يُصرف عنك.
قال تعالى:
**﴿وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾**
[البقرة: 216]
فلا تقل: «يا رب، إن لم يحدث ما أريد فقد تركتني!»
ولا تقل: «إن لم تُجب دعوتي بالطريقة التي أريدها فلن أفعل!»
ولا تجعل الطاعة مرتبطة دائمًا برؤية النتيجة التي تتمناها.
**أنت تعبده لأنه الله، لا لأنك ضمنت منه ما تريد.**
ادعُه، وخذ بالأسباب، وأحسن الظن به، ثم اترك له اختيار النتيجة.
فكم من أمرٍ ألححتَ فيه، ثم اكتشفت بعد سنوات أنك كنت تطلب شيئًا لو حصل لك لأتعبك!
وكم من بابٍ أُغلق في وجهك، فحزنت، ثم اكتشفت أن وراءه بابًا أوسع وأرحم!
وكم من تأخير ظننته حرمانًا، فإذا به كان حمايةً وإعدادًا وتدبيرًا لا تراه عيناك.
قال النبي ﷺ:
**«واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وما أصابك لم يكن ليخطئك»**.
وهذه ليست دعوة إلى ترك الدعاء أو الاستسلام للواقع، بل إلى أن **تدعو الله بقلب الواثق، لا بقلب المُمتحِن**.
قل:
**اللهم إن كان هذا الأمر خيرًا لي في ديني ودنياي وعاقبة أمري فاقدره لي ويسره لي، وإن كان شرًا فاصرفه عني واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان ثم أرضني به.**
فالمؤمن لا يقول لله:
«افعل ما أريد حتى أثق بك.»
بل يقول:
**«أنا أثق بك، ولذلك أرضى بما تختاره لي.»**
وهنا يبلغ القلب منزلة عظيمة من الإيمان؛ أن تطمئن إلى تدبير الله حتى عندما لا تفهمه، وأن تثق بحكمته حتى عندما تتأخر الإجابة، وأن تعلم أن **اختيار الله لك خيرٌ من اختيارك لنفسك**.
فلا تُجرِّب ربك…
ولا تُشترط عليه…
**بل سلِّم له، وثق به، واعمل بما يرضيه، وانتظر جميل تدبيره.**
فإن خزائن الله لا تنفد، ورحمته أوسع من طلبك، وعلمه أعظم من علمك، وتدبيره لك أرحم من تدبيرك لنفسك.