بسم الله الرحمن الرحيم
....................................
في مدة مقام الصليـ..ـبيين في حصار عكّا، صنعوا ثلاثة أبراج خشبية شاهقة، بلغ ارتفاع كل برج خمس طوابق، امتلأت كل طبقة منها بعشرات الجنود الأشدّاء.
وقد غُشِّيت هذه الأبراج بالجلود والخلّ والطين والعقاقير، في محاولة لمنع النار من إحراقها.
تقدّمت الأبراج من ثلاث جهات، وزحفوا بها حتى أشرفت على أسوار المدينة، وقاتل من فيها المسلمين قتـ..الًا عنيفًا، وشرعوا في ردم الخندق، حتى كادوا يملكون المدينة عنوةً.
قاتل السلطان صلاح الدين الأيوبي الصليـ..ـبيين ثمانية أيام متتالية في بسالة نادرة، مما خفّف الضغط عن حامية المدينة.
وحاول المسلمون مقاومة الأبراج بـ النفط الطيّار، لكنه لم يُجدِ نفعًا، فأيقن كثيرون بالهـ.ـلاك.
لكن الله أراد إنقاذ المسلمين، فوفّق شابًا من أهل دمشق يُدعى علي، وهو ابن عريف النحاسين، وكان مولعًا بآلات النفط، وبجمع العقاقير التي تقوّي عمل النار.
تقدّم هذا الشاب إلى السلطان صلاح الدين، وعرض عليه فكرته، وطلب الإذن بالدخول إلى عكّا لفكّ الحصار.
فأمر السلطان ابنه الأفضل بقيادة نفرٍ من الجند لتأمين وصوله، حتى دخل المدينة بسلام.
ما إن رأى الشاب الأبراج منصوبة، حتى شرع في تركيب أدوية خاصة تقوّي النار، لا يمنعها طين ولا خلّ ولا جلود.
فلما فرغ، قصد والي عكّا المجـ..اهد بهاء الدين قراقوش رحمه الله، وقال له:
"مُر أصحاب المنجنيق أن يرموا بهذه القدور على الأبراج."
وكان قراقوش ممتلئًا غيظًا وخوفًا على المسلمين، فقال:
"لقد جُرِّب النفط وغيره، فلم يفلح."
فقال من حضر:
"لعلّ الله يجعل الفرج على يد هذا الشاب."
أُلقِيَت قدور بلا نار، فلم تُصِب شيئًا، فراح الفرنج يصيحون ويرقصون فوق الأبراج استـ.ـهزاءً.
فلما أيقن الشاب أن الدواء قد تمكّن من الخشب، ألقى قدرًا مشتعلة بالنار، فاشتعل البرج، ثم أُتبِعت بقدور أخرى، فاضطرمت النار في نواحيه، واحترق البرج بمن فيه.
ثم انتقل إلى البرج الثاني فالثالث، فهلك من فيهما، وفرّ من نجا.
وكان يومًا مشهودًا، لم يُرَ مثله، وفرح المسلمون بنجاة المدينة.
حُمل الشاب إلى السلطان صلاح الدين، فقال له:
"لقد أديت واجبك، ووجب علينا جزاؤك."
وعرض عليه الأموال والإقطاعات، فقال الشاب:
"والله ما فعلت ذلك من أجلك، ولا للدنيا، وإنما فعلته لله رب العالمين، ولا أريد جزائي إلا منه."
فبكى السلطان صلاح الدين رحمه الله.
كان هذا الشاب نموذجًا عمليًا للإخلاص، إذ رفض كل متاع الدنيا، واختار ثواب الآخرة.
كما ضرب صلاح الدين مثالًا عظيمًا في القيادة، حين قدّم ابنه الأفضل في مهمة محفوفة بالمخاطر، لا يبتغي إلا مرضاة الله.
📚 المصادر
المواعظ والاعتبار
السلوك لمعرفة دول الملوك
صبح الأعشى في صناعة الإنشاء
الكامل في التاريخ
البداية والنهاية
الروضتين في أخبار الدولتين
النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفية
ذيل تاريخ دمشق