بسم الله الرحمن الرحيم
..........................................
الأمير الأيوبي الذي قال للمغول: «ما لكم عندي إلا السيف»… وقيل إنه بصق في وجه هولاكو!
إنه الأمير الأيوبي الملك الكامل ناصر الدين محمد بن الملك المظفر شهاب الدين غازي بن الملك العادل أبي بكر بن أيوب، صاحب ميافارقين.
كان الكامل محمد أميرًا على ميافارقين وديار بكر، وقد وصفه الإمام الذهبي بأنه كان: «شابًّا، عاقلًا، شجاعًا، مهيبًا، محسنًا إلى رعيته، مجاهدًا، غازيًا، ديّنًا، تقيًّا، حميد الطريقة».
ومع اجتياح المغول لبلاد المسلمين وسقوط بغداد سنة 656هـ/1258م، اختار الكامل طريقًا مختلفًا عن كثير من حكام المنطقة؛ فقاوم المغول ورفض الخضوع لهم، واستعان بالملك الناصر صاحب دمشق، لكنه لم يحصل على النجدة التي كان يرجوها، فعاد إلى ميافارقين واستعد للحصار.
وأرسل هولاكو جيشه إلى ميافارقين، وكان ابنه أشموط ممن تولوا حصارها.
وصمدت المدينة صمودًا استثنائيًا، حتى استمر حصارها نحو سنة ونصف، وتذكر رواية الذهبي أنه دام قرابة عشرين شهرًا.
وكان الكامل نفسه يخرج من المدينة ويقاتل المغول، حتى يقول الذهبي إنهم هابوه، ثم بنى المغول حول المدينة سورًا وأبراجًا، ونفدت الأقوات، واشتد الجوع حتى يقول الذهبي:
«حتى كان الرجل يموت فيؤكل».
ويذكر المؤرخون أن أهل ميافارقين أكلوا الميتات والدواب والقطط والكلاب من شدة الجوع، وفني أكثر أهل المدينة، حتى لم يبق في آخر الحصار إلا عدد قليل جدًا.
وفي أثناء الحصار أخذ المغول أولاد الكامل، وأتوهم إلى أسوار ميافارقين، وطلبوا منه أن يسلم المدينة بالأمان.
فكان جوابه الذي حفظه لنا الذهبي:
«ما لكم عندي إلا السيف.»
ثم تمكن المغول في نهاية المطاف من دخول المدينة، بعد أن دلّهم أحد مماليك الكامل على طريق إلى السور، وأُخذ الكامل حيًّا وأُرسل إلى هولاكو.
وهنا وقعت أشهر الروايات في قصته.
كان هولاكو يشرب الخمر، فناول الكامل كأسًا، فرفضها وقال:
«هذا حرام.»
ثم أمر هولاكو زوجته أن تناوله الكأس، فرفضها الكامل أيضًا.
ويقول الإمام الذهبي:
«وشتم وبصق - فيما قيل - في وجه هولاكو.»
والعبارة الأخيرة مهمة؛ فالذهبي نفسه نقل البصق بصيغة «فيما قيل»، أي أنه لم يجزم بهذه الجزئية جزمًا مطلقًا.
وكان الكامل قد رأى الخان الأكبر من قبل، وكان من اصطلاح المغول أن من رأى وجه الخان لا يُقتل، لكن هولاكو غضب منه غضبًا شديدًا، فقتله.
ولا تثبت في المصادر الأصلية التي نقلت خبر الكامل الروايات الشائعة التي تقول إن هولاكو قطّع أطرافه وهو حي وأجبره على أكل لحمه؛ لذلك لا يصح نسبتها إلى الذهبي دون دليل.
بعد مقتله، قطع المغول رأس الكامل وطافوا به في البلاد، فمروا به على حلب وحماة وحمص وبعلبك، ثم وصلوا به إلى دمشق، وطافوا به في المدينة، ثم عُلّق رأسه على باب الفراديس.
وبقي الرأس هناك حتى عادت دمشق إلى المسلمين، فأنزله الملك المظفر قطز، ودُفن في مسجد الرأس داخل باب الفراديس.
وهكذا انتهت حياة الملك الكامل محمد الأيوبي، بعد حصار طويل قاوم خلاله المغول حتى آخر ما استطاع.
رحم الله الأمير الكامل محمد، فقد ترك وراءه واحدة من أشهر صفحات المقاومة الأيوبية في مواجهة المغول.
📚المصادر:
1-الامام الذهبي، سير أعلام النبلاء.
2-ابن كثير، البداية والنهاية.
3-اليونيني، ذيل مرآة الزمان.
4-وتاريخ بيبرس.