بسم الله الرحمن الرحيم
.......................................
علم الخليفة عبد الملك بن مروان بصفات فتاة، تميزت بقدر عالٍ جدًا من الفصاحة، والذكاء، والجمال، فضلًا عن علمها الغزير.
وهي أبنت سعيد بن المسيب، فأراد أن يخطبها لابنه وولي عهده الوليد بن عبد الملك، الذي سيصبح خليفة المسلمين لاحقًا.
أرسل الخليفة مبعوثًا خاصًا من دمشق إلى المدينة المنورة يخطب الفتاة لولي العهد، وكان المبعوث يحمل وعودًا بالجاه، والمال، والقصور.
وظن الجميع أن سعيد بن المسيب سيطير فرحًا، لأن ابنته ستصبح زوجة الخليفة القادم وسيدة القصر.
لكن سعيد بن المسيب، الذي كان يملك عزة نفس نادرة، وأنفة وعفة عن أموال الملوك والسلطان، فاجأ المبعوث برفض الطلب تمامًا!
وقال له بكل هدوء:
— «لا حاجة لنا بصهر الملوك.»
خشي الناس على سعيد من غضب الخليفة، ولكن المفاجأة الأكبر والأكثر طرافة حدثت بعد أيام قليلة.
فقد كان لسعيد بن المسيب تلميذ فقير جدًا، ويسكن في غرفة بسيطة، يُدعى أبو وداعة.
توفيت زوجته حديثًا، وكان يعيش حزينًا معدمًا.
لاحظ سعيد غيابه عن الدرس، فلما عاد وسأله وعرف بوفاة زوجته، التفت إليه سعيد وقال له فجأة:
— «هل أحدثتَ امرأة؟»
أي: هل فكرت في الزواج مجددًا؟
فقال التلميذ مستغربًا:
— «يرحمك الله يا إمام! ومن يزوجني وأنا لا أملك سوى درهمين أو ثلاثة؟!»
فقال سعيد بن المسيب بثقة وعزة نفس:
— «أنا أزوجك ابنتي!»
صُعق التلميذ، ولم يصدق أذنيه!
فزوجة ولي العهد المرفوضة تُعرض عليه هو، الفقير المعدم!
وتم عقد النكاح فورًا، على صداق قدره درهمان فقط.
وفي المساء، سمع التلميذ طرقًا على باب بيته البسيط.
فلما فتح، وجد سعيد بن المسيب وخلفه ابنته.
قال له سعيد:
— «إنني كرهت أن تبيت الليلة عازبًا، وهذه زوجتك.»
ثم دفعها داخل البيت وانصرف.
وصل الخبر إلى الخليفة عبد الملك بن مروان في دمشق، فصُدم واهتز مجلسه من هذا التصرف.
كيف يُرفض ولي عهد المسلمين، وتُزف الفتاة إلى تلميذ فقير بدرهمين؟!
ضحك عبد الملك بن مروان ضحكة خجل وإعجاب، كتم بها إحراجه الشديد، ثم التفت إلى وزرائه قائلًا بذكاء شديد وسرعة بديهة:
— «والله ما ترفع علينا سعيد بن المسيب كبرًا، ولكنه رجل ذكي عرف كيف يحمي ابنته!
لقد نظر إلينا، فرأى الدنيا تجري بين أيدينا، ونظر إلى نفسه، فرأى الآخرة.
فخشي إن زوجها لابننا أن تضيع دينها في قصورنا، وإن زوجها لتلميذه أن تعيش ملكة بعفتها!
خسرنا الصفقة، وربح هو عزة نفسه!»
ولم يغضب الخليفة أو يبطش بسعيد، بل أرسل سرًا إلى التلميذ الفقير صرة فيها مئة ألف درهم هدية زواج، إكرامًا لعزة نفس والديها وصونًا لكرامتهما.
مصدر القصة:
كتاب «حلية الأولياء وطبقات الأصفياء»
للحافظ أبي نعيم الأصبهاني (ت 430هـ).