بسم الله الرحمن الرحيم
........................................
السوال الأول...
س: رجل يقول: دخلت المسجد، فرأيت الإمام يقرأ في الركعة الأولى، وأردت أن أدركها؛ فرفعت صوتي وقلت: إن الله مع الصابرين؛ فأطال الإمام قراءته؛ حتى أدركته. فما حكم الدين في صلاتي، وفي صلاة الإمام؟
لا مانع من إطالة الإمام في الركعة الأولى؛ حتى يدركه من يريدون الاقتداء به عند شعوره بقدومهم أو سماع قولهم: إن الله مع الصابرين.
ففي حديث أبي قتادة: "أن النبي (صلى الله عليه وسلم) كان يطول في الأولى، قال: فظننا أنه يريد بذلك أن يدرك الناس الركعة الأولى".
وعن أبي سعيد قال: "لقد كانت الصلاة تقام فيذهب الذاهب إلى البقيع فيقضي حاجته، ثم يتوضأ، ثم يأتي ورسول الله (صلى الله عليه وسلم) في الركعة الأولى مما يطولها".
رواه مسلم، وغيره.
والله أعلم.
السوال الثاني...
س: فضيلة الشيخ عطية صقر، رأينا في بعض المساجد بعد انقضاء الصلاة تُقرأ آية الكرسي بصوت عالٍ، ثم يبدأ المصلون في ختم الصلاة بصوت عالٍ أيضًا. فهل الأفضل ختم الصلاة سرًّا أو جهرًا؟
وردت نصوص في فضل الإسرار بالذكر والدعاء عامة، كما وردت نصوص في فضل الجهر بالذكر عامة. وقد جمع النووي بين نصوص الجهر ونصوص الإسرار فقال: إن الإخفاء أفضل حيث خاف الرياء، أو تأذى به مصلون أو نيام، والجهر أفضل لغير ذلك؛ لأن العمل فيه أكثر، ولأن فائدته تتعدى إلى السامعين، ولأنه يوقظ قلب القارئ، ويجمع همه إلى الفكر، ويصرف سمعه إليه، ويطرد النوم، ويزيد النشاط، وما سبق هو في الذكر والدعاء عامة.
أما بخصوص ما بعد الصلاة، فقد وردت نصوص في الجهر منها: قول ابن عباس، كما رواه البخاري ومسلم: "كنت أعرف انقضاء صلاة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بالتكبير".
وفي رواية لمسلم: "كنا".
وفي رواية لهما عنه أيضًا: "أن رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة كان على عهد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ".
وقال ابن عباس: "كنت أعلم إذا انصرفوا إذا سمعته".
ومعنى هذا: أن الناس الذين كانوا يصلون خلف النبي (صلى الله عليه وسلم)، وبخاصة من يكونون في الصفوف الخلفية، لا يسمعون عبارة: السلام عليكم، التي ينتهي بها الرسول من الصلاة، فيظلون منتظرين حتى يفرغ الرسول منها، ويشرع في ختام الصلاة بالتكبير، والتسبيح، والتحميد، وما إلى ذلك، أي: أن صوته كان مرتفعًا فسمعوه.
وورد في (الأسرار) في ختام الصلاة ما رواه أحمد عن أبي سعيد الخدري قال: "اعتكف رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فسمعهم يجهرون بالقراءة وهم في قبة لهم، فكشف الستور، وقال: ألا إن كلكم مناج ربه، فلا يؤذين بعضكم بعضًا، ولا يرفعن بعضكم على بعض بالقراءة، أو قال في الصلاة".
وبناء على هذه النصوص؛ اختلف الفقهاء في حكم الجهر بالذكر عقب الصلوات، فمنهم من قال: لا بأس به بناء على ما رواه ابن عباس. ومنهم من قال: بكراهته بناء على ما رواه أبو سعيد الخدري.
والذي أختاره بعد عرض هذا الكلام المبني على النصوص العامة والخاصة بالذكر بعد الصلاة هو الإسرار بالذكر؛ لأنه أعون على الإخلاص، وفيه عدم تشويش على المصلين الآخرين، وذلك في الأوساط الإسلامية العارفة بختام الصلاة.
أما في المجتمعات الإسلامية الحديثة العهد بالإسلام، فإن الجهر يكون أفضل للتعليم، وذلك بصفة مؤقتة، ثم يكون الإسرار بعد ذلك هو الأفضل، وليس المراد بالسر أن يكون همسًا لا يسمع الإنسان نفسه، ولكن المراد ألا يشوش به على غيره.
والله أعلم.
السوال الثالث...
س: هل يفضل ختم الصلاة بعد أداء الصلاة مباشرة أم بعد ركعتي السنة؟
ختم الصلاة جاءت فيه أحاديث بعبارة: دبر الصلاة، أو: خلف الصلاة. وجمهور العلماء على أن ختم الصلاة بالذكر الوارد فيه هذه العبارة يكون عقب الانصراف من الصلاة المكتوبة بالتسليم مباشرة؛ لدلالة العبارة عليه، ويقويها فعل النبي (صلى الله عليه وسلم)، حيث كانت الصفوف الأخيرة في صلاة الجماعة تعرف انتهاء النبي منها بالتكبير، أي: بالذكر بعد الصلاة.
ورأى بعض العلماء أن الختم يكون له فضله إذا كان بعد الانتهاء من السنة الراتبة التابعة للفريضة.
جاء في فتح الباري في باب الذكر بعد الصلاة قوله: ومقتضى الحديث أن الذكر المذكور يقال عند الفراغ من الصلاة، فلو تأخر ذلك عن الفراغ، فإن كان يسيرًا بحيث لا يعد معرضًا، أو كان ناسيًا، أو متشاغلًا بما ورد أيضًا بعد الصلاة كآية الكرسي، فلا يضر، ثم قال: هل يكون التشاغل بعد المكتوبة بالراتبة بعدها فاصلًا بين المكتوب والذكر أو لا؟ محل نظر.
وجاء في فقه المذاهب الأربعة: أن الحنفية قالوا: يكره تنزيهًا أن يفصل بين الصلاة والسنة إلا بمقدار ما يقول: اللهم أنت السلام ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام.
أما بقية المذاهب فتفضل أن يكون الذكر عقب الصلاة المفروضة وقبل الإتيان بالسنة.
والله أعلم.
السوال الرابع..
س: وهل كان على عهد النبي (صلى الله عليه وسلم) مسبحة، أم أن السنة هو التسبيح على الأيدي، وما الحكم فيمن سبح على المسبحة؟
جاء الإسلام فأمر بذكر الله، كما أمر بسائر العبادات والقربات والطاعات، وإذا كان الأمر بالذكر قد ورد مطلقًا بدون حصر لعدد معين أو حالة خاصة، فليس في الإسلام وسيلة معينة أمرنا بالتزامها؛ حتى لا يجوز غيرها، والأمر متروك لعرف الناس وعاداتهم في ضبط أمورهم، وحصرها.
والإسلام لا يمنع من ذلك إلا ما تعارض مع ما جاء به، والمأثور أن النبي (صلى الله عليه وسلم) "كان يعقد التسبيح بيده".
كما رواه أبو داود والترمذي، وأرشد الرسول أصحابه إلى الاستعانة بالأنامل عند ذلك.
فقد روى أبو داود والترمذي والحاكم عن أسرة، وكانت من المهاجرات، أنها قالت: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: "عليكن بالتسبيح والتهليل والتقديس، ولا تغفلن فتنسين التوحيد، واعقدن بالأنامل، فإنهن مسؤولات مستنطقات".
غير أن الأمر بالعد بالأصابع ليس على سبيل الحصر، بحيث يمنع العد بغيرها. صحيح أن العد بالأصابع فيه اقتداء بالنبي (صلى الله عليه وسلم)، لكنه هو نفسه لم يمنع العد بغيرها، بل أقره، وإقراره من أدلة المشروعية.
أخرج الترمذي والحاكم والطبراني عن صفية (رضي الله عنها) قالت: "دخل علي رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وبين يدي أربعة آلاف نواة أسبح بهن، فقال: ما هذا يا بنت حيي؟ قلت: أسبح بهن. قال: قد سبحت منذ قمت أكثر من هذا. قلت: علمني يا رسول الله. قال: قولي: سبحان الله عدد ما خلق من شيء".
والحديث صحيح.
وإلى جانب إقرار النبي (صلى الله عليه وسلم) لهذا العمل، وعدم الإنكار عليه، قد اتخذ عدد من الصحابة والسلف الصالح النوى والحصى وعقد الخيط، وغير ذلك وسيلة لضبط العدد في التسبيح، ولم يثبت إنكار عليهم.
ففي مسند أحمد في (باب الزهد) أن أبا صفية ـ وهو رجل من الصحابة ـ كان يسبح بالحصى.
وروى أبو داود أن أبا هريرة (رضي الله تعالى عنه) كان له كيس فيه حصى أو نوى، يجلس على السرير فيسبح.
وأخرج أحمد أيضًا في (باب الزهد) أن أبا الدرداء كان له نوى من نوى العجوة في كيس، فإذا صلى الغداة، أي: الصبح، أخرجهن واحدة واحدة يسبح بهن.
وأخرج ابن أبي شيبة أن سعد بن أبي وقاص كان يسبح بالحصى والنوى، وأن أبا سعيد الخدري كان يسبح أيضًا بالحصى.
وبناء على هذه الأخبار، لم تكن المسبحة المعهودة لنا معروفة عند المسلمين حتى أوائل القرن الثاني الهجري. ولما شاعت بين المسلمين استعملها بكثرة العامة من المشتغلين بالعبادة، ولم يستحسنها علماؤهم، وبقي استعمالها بين المسلمين بين راضٍ عنها، وكارهٍ لها، حتى كان القرن الخامس.
ولم يصح في مدحها خبر عن النبي (صلى الله عليه وسلم)، ولم ينقل عن أحد من السلف ولا من الخلف المنع من عد الذكر بالمسبحة، ولا يعدون ذلك مكروهًا.
وقد سئل بعضهم، وهو يعد التسبيح: أتعد على الله؟ فقال: لا، ولكن أعد له.
وبناء على ما سبق ذكره يكون التسبيح بغير عقد الأصابع مشروعًا. لكن أيهما أفضل؟
جاء في كتاب للسيوطي: قال بعض العلماء: عقد التسبيح بالأنامل أفضل من المسبحة؛ لحديث ابن عمرو، ولكن يقال: إن المسبح إن أمن الغلط، كان عقده بالأنامل أفضل، وإلا فالمسبحة أولى.
والسنة أن يكون باليمين، كما فعل النبي (صلى الله عليه وسلم)، وجاء ذلك في رواية لأبي داود وغيره.
وأقول: إذا كان النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: "واعقدن بالأنامل فإنهن مسؤولات مستنطقات"، فإن حبات المسبحة لا تحركها في يد الإنسان إلا الأنامل، وهي ستسأل وتستنطق عند الله؛ لتشهد أنه كان يسبح بها، ولا يجوز التوسع في إطلاق اسم البدعة على كل ما لم يكن معروفًا في أيام الرسول (صلى الله عليه وسلم)، ولا أن يجر الخلاف في المسبحة إلى جدل عقيم قد يضر.
والأهم من ذلك هو الإخلاص في الذكر، ولا تضر بعد ذلك وسيلته، والله ينظر إلى القلوب، كما صح في الحديث.
والله أعلم.
السوال الخامس
لقد كان النبي (صلى الله عليه وسلم) يحمل الحسن والحسين ابني السيدة فاطمة الزهراء (رضي الله عنها)، وكان يحمل أمامة بنت العاص بن الربيع بنت السيدة زينب (رضي الله عنها)، فإذا صح هذا، فهل يصح أن يصلي المسلم وهو يحمل طفلًا، والطفل لا يعي أمر الطهارة والنجاسة، وإذا ركب الطفل على المصلي وملابسه نجسة، فهل تصح صلاة هذا المصلي؟
قال العلماء: يشترط في صحة الصلاة طهارة الثوب والبدن، والمكان، فلو حمل المصلي شيئًا نجسًا، أو أمسك بشيء نجس، وكان يتحرك بحركته، بطلت صلاته.
والحديث موضوع السؤال صحيح. ففي صحيح مسلم أن "النبي (صلى الله عليه وسلم) كان يصلي وهو حامل أمامة بنت زينب بنت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ولأبي العاص بن الربيع، فإذا قام حملها، وإذا سجد وضعها".
يقول النووي: فيه دليل لصحة صلاة من حمل آدميًّا، أو حيوانًا طاهرًا من طير وشاة، وغيرهما، وأن ثياب الصبيان وأجسادهم طاهرة؛ حتى تتحقق نجاستها، وأن الفعل القليل لا يبطل الصلاة، وأن الأفعال إذا تعددت ولم تتوالَ، بل تفرقت، لا تبطل الصلاة، وفيه تواضع مع الصبيان وسائر الضعفة، وفيه رحمتهم وملاطفتهم.
ثم يقول: هذا يدل بمذهب الشافعي ـ رحمه الله تعالى ـ ومن وافقه أنه يجوز: حمل الصبي والصبية وغيرهما من الحيوان الطاهر في صلاة الفرض، وفي صلاة النفل، ويجوز ذلك للإمام والمأموم والمنفرد.
وحمله أصحاب مالك (رضي الله عنه) على النافلة، ومنعوا جواز ذلك في الفريضة. وهذا التأويل فاسد؛ لأن قوله: يؤم الناس، صريح، أو كالصريح، في أنه كان في الفريضة.
وادعى بعض المالكية أنه منسوخ، وبعضهم أنه خاص بالنبي (صلى الله عليه وسلم)، وبعضهم أنه كان لضرورة. وكل هذه الدعاوى باطلة ومردودة، فإنه لا دليل عليها، بل الحديث صحيح صريح في جواز ذلك، وليس فيه ما يخالف قواعد الشرع؛ لأن الآدمي طاهر، وما في جوفه من النجاسة معفو عنه، لكونه في معدته، وثياب الأطفال وأجسادهم على الطهارة.
ودلائل الشرع متظاهرة على هذا، والأفعال في الصلاة لا تبطلها إذا قلت أو تفرقت، وفعل النبي (صلى الله عليه وسلم) هذا كان للجواز، وتنبيهًا به على هذه القواعد التي ذكرت.
وهذا ما يرد على الإمام أبي سليمان الخطابي أن هذا الفعل يشبه أن يكون حصل بغير تعمد، فحملها في الصلاة؛ لكونها كانت تتعلق به (صلى الله عليه وسلم) فلم يدفعها، فإذا قام بقيت معه.
قال: ولا يتوهم أنه حملها مرة بعد أخرى عمدًا؛ لأنه عمل كثير، ويشغل القلب.
هذا كلام الخطابي. وهو باطل، ودعوى مجردة.
ومما يردها قوله في صحيح مسلم: فإذا قام حملها. وقوله: فإذا رفع من السجود أعادها.
ثم انتهى النووي إلى قوله: إن الحديث كان لبيان الجواز والتنبيه على هذه الفوائد، فهو جائز لنا وشرع مستمر للمسلمين إلى يوم الدين.
هذا.
ويلاحظ في كلام النووي أن المفروض في ثياب الطفل وبدنه: الطهارة حتى تتحقق النجاسة، ومعنى هذا: أن النجاسة إذا تحققت لا يجوز حملها، وهو المعقول المتفق مع قول العلماء باشتراط الطهارة للصلاة.
مع مراعاة أن هذا الرأي ينبغي ألا يستغل استغلالًا سيئًا بكثرة حمل الصبيان في الصلاة؛ لأن ذلك يشغل القلب عن الخشوع.
فأرى أنه يكون عند الضرورة أو الحاجة، أي في حدود ضيقة، مع التأكد أن جسم الصبي وثوبه طاهران.