بسم الله الرحمن الرحيم
........................................
ومن الخلط أن يحسب المسلم تلاحق الأذى عليه آية على نسيان الله له، وإبعاده من رحمته، لكن هذا الفهم ساد بين المسلمين للأسف في عصور الانحلال والاضمحلال، وقد أسلفنا القول أن مصاعب الحياة تتمشى مع همم الرجال علوا وهبوطا .
قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : "إن الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم" . فهو نبي تربى في حجور أنبياء، وتحدر من شجرة عريقة، وهو كريم على الله بالاجتباء والرسالة.
فانظر إلى هذا الكريم كيف قضى مراحل حياته الأولى وهو يخرج من ضائقة ليدخل في أختها. فقد أمه وهو طفل، ثم تآمر عليه إخوته فاختطفوه من أحضان أبيه ورموا به في البئر، ليلقى في غيابتها مصيره المجهول. واستنقذه السيارة ليمتلكوه عبدا، ثم يبيعوه في سوق الرقيق بثمن بخس دراهم معدود. وابتاعه ملك مصر، فما إن آواه في القصر حتى تعرض للدسائس الماكرة، فاتهم وهو العفيف الحصن، بأنه يبغي السوء. ومع ظهور براءته فقد طرح في السجن مع الأشقياء لا أياما أو شهورا، بل بضع سنين !!
ولو أن شخصا آخر نظر إلى ماضيه فوجده مثقلا بالآلام على هذا النحو لضاق بالأرض وتنكر للسماء، بيد أن يوسف الصديق بقي متألق اليقين وراء جدران السجن يذكر بالله من جهلوه، ويبصر بفضله من جحدوه . (يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار ، ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون) .
وذلك شأن أولى الفضل من الناس، لا يفقدون صفاء دينهم إن فقدوا صفاء دنياهم، ولا يهونون أمام أنفسهم لنكبة حلت بهم.. وإنك لترى شاعرا من الطامحين إلى أمجاد الدنيا يغالب الحرمان بالمغالاة في تفخيم نفسه فيقول مفتخرا بهمومه : أفاضل الناس أغراض لذا الزمن يخلو من الهم أخلاهم من الفطن ..
وما رأيناه في سير الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين يؤكد أن عظم المنزلة مع ثقل الأحمال ومعاناة الصعاب .
وقد جاء عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : "إن العبد إذا سبقت له من الله منزلة فلم يبلغها بعمل ، ابتلاه الله فى جسده أو ماله ، أو فى ولده . ثم صبر على ذلك ، حتى يبلغه المنزلة التى سبقت له من الله عز وجل" .
فكأن تكاثر المصائب إشارة إلى ما يُرشح له المرء من خير، وما يُراد له من كرامة. وكثيرا ما تكون الآلام طهورا يسوقه القدر إلى المؤمنين ليصادر ما يستهوى ألبابهم من متع الدنيا، فلا تطول خدعتهم بها أو ركونهم إليها. ورب ضارة نافعة، وكم من محنة فى طيها منح ورحمات !!
والتريث والمصابرة والانتظار خصال تتسق مع سنن الكون القائمة ونظمه الدائمة، فالزرع لا ينبت ساعة البذر، ولا ينضج ساعة النبت، بل لابد من المكث شهورا حتى يجتنى الحصاد المنشود. والجنين يظل في بطن الحامل شهورا حتى يستوى خلقه، وقد أعلمنا الله عز وجل أنه خلق العالم في ستة أيام، وما كان ليعجز أن يقيم دعائمه في طرفة عين أو أقل. وتراخى الأيام والليالي على الناس هو المدى الذي تقتطع منه أعمارهم، وتستبين فيه أحوالهم، وتنضح على لهبه الهادئ طباعهم. ثم ينقلبون بعدُ إلى بارئهم . (كما بدأكم تعودون ، فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة) .
فالزمن ملابس لكل حركة وسكون في الوجود، فإذا لم نصابره اكتوينا بنار الجزع، ثم لم نغير شيئا من طبيعة الأشياء التي تسير حتما على قدر .