الحجاج بن يوسف الثقفي: طاغية أم باني دولة؟
مقدمة: شخصية تاريخية تثير الجدل
في زمن الفتوحات الإسلامية وبناء الدولة الأموية، برزت شخصية لا تزال تثير الجدل حتى اليوم: الحجاج بن يوسف الثقفي (40-95 هـ/660-714م). بَيْنَمَا يصوره البعض كطاغية قاسٍ سفك الدماء، يراه آخرون كأحد أهم بُنَاة الدولة الإسلامية في عهدها الأموي. هذه الدراسة تسلط الضوء على هذه الشخصية المعقدة من خلال الحقائق التاريخية الموثقة.
النشأة والوصول إلى السلطة
ولد الحجاج في الطائف عام 40 هـ في أسرة متعلمة، حيث كان والده يوسف معلماً للقرآن. نشأ الحجاج على حب العلم والأدب، وأظهر ذكاءً حاداً منذ صغره. وفقاً للمصادر التاريخية مثل "تاريخ الرسل والملوك" للطبري، بدأ الحجاج حياته معلماً للقرآن في الطائف قبل أن ينتقل إلى دمشق حيث لفت انتباه الخليفة عبد الملك بن مروان بخطابته البليغة وذكائه السياسي.
إنجازات الحجاج كباني دولة
1. القضاء على الفتن الداخلية
عندما تولى الحجاج ولاية العراق عام 75 هـ، كانت المنطقة تعاني من الفوضى والتمردات المتكررة بقيادة عبد الله بن الزبير وأنصاره. استطاع الحجاج بحنكته العسكرية والسياسية أن يسيطر على الوضع ويوحد العراق تحت الحكم الأموي. يقول الطبري: "لما ولي الحجاج العراق، كان فيها من الفتن والاختلاف ما لا يحصى، فسكنها وأمنها".
2. الإصلاحات الإدارية والمالية
أجرى الحجاج إصلاحات مالية مهمة منها تعريب الدواوين وتحسين نظام جباية الزكاة والخراج. كما قام بإصلاح النظام النقدي حيث ضرب أول دينار عربي خالص عام 79 هـ، مما عزز الاقتصاد الإسلامي حسبما ذكر ابن الأثير في "الكامل في التاريخ".
3. التوسع العمراني والعلمي
أسس الحجاج مدينة واسط بين الكوفة والبصرة عام 83 هـ لتكون قاعدة عسكرية وإدارية جديدة. كما اهتم بالعلم والعلماء، وكان يحفظ القرآن ويرعاه، وقد أشرف بنفسه على جمع القرآن في مصحف موحد. يقول المؤرخ البلاذري في "فتوح البلدان": "كان الحجاج يحب العلم والعلماء، ويجالس الفقهاء".
4. الفتوحات الخارجية
في عهد الحجاج، تمت أهم الفتوحات الإسلامية في الشرق، حيث أرسل قائده محمد بن القاسم الثقفي لفتح السند (باكستان حالياً) عام 92 هـ، كما وسع القائد قتيبة بن مسلم فتوحات خراسان وما وراء النهر. هذه الفتوحات وسعت رقعة الدولة الإسلامية بشكل كبير.
الجانب المظلم: سياسة القمع والعنف
1. قمع المعارضين
اشتهر الحجاج بقسوته في التعامل مع المعارضين، حيث قتل العديد من الثوار والمتمردين، بما في ذلك الصحابي عبد الله بن الزبير بعد حصار مكة. كما عرف بمعاقبة الخوارج والمعارضين السياسيين بأساليب قاسية.
2. سياسة الترهيب
استخدم الحجاج أسلوب التهديد والترهيب للحفاظ على سلطته، واشتهرت خطبه التي كانت تخلو من الرحمة كما في خطبته الشهيرة في الكوفة: "إني لأرى رؤوساً قد أينعت وحان قطافها".
3. معاملة بعض العلماء
على الرغم من رعايته للعلم، تعرض بعض العلماء للمضايقة من قبل الحجاج، مثل القاضي الشعبي الذي سجنه لفترة، والحسن البصري الذي تعرض للتهديد بسبب انتقاده لسياساته.
تحليل شخصيته وتقييم تاريخي
شخصية معقدة
كان الحجاج شخصية معقدة تجمع بين المتناقضات: قاسٍ في السياسة لكنه ورع في العبادة، عنيف مع الخارجين على السلطة لكنه كريم مع العلماء، طموح للسلطة لكنه مخلص للدولة. يصفه الذهبي في "سير أعلام النبلاء" بقوله: "كان فيه حزم وعزم ودهاء وسياسة، لكن غلب عليه الشدة".
السياق التاريخي
يجب فهم أفعال الحجاج في سياقها التاريخي، حيث كانت الدولة الأموية تواجه تمردات متكررة وتهديدات داخلية وخارجية، مما جعل الحجاج يتبنى سياسة الحزم للحفاظ على وحدة الدولة.
إرث متناقض
ترك الحجاج إرثاً متناقضاً: من ناحية، استقرار الدولة وتوسعها وإصلاحاتها، ومن ناحية أخرى، سجلاً دموياً في التعامل مع المعارضة. يقول ابن خلدون في "المقدمة": "كان الحجاج من رجال الدولة العظام، لكنه اشتد على الناس فكرهوه".
الخاتمة: بين الطغيان وبناء الدولة
الحجاج بن يوسف الثقفي كان رجلاً من رجال الدولة بامتياز، وضع مصلحة الدولة فوق كل اعتبار، مستخدماً كل الوسائل المتاحة في زمانه لتحقيق الاستقرار والتوسع. كان منتجاً للحضارة الإسلامية من خلال إنجازاته الإدارية والعمرانية، ولكنه أيضاً كان قاسياً في سياسته الأمنية.
لا يمكن اختزال الحجاج في صفة واحدة، فتاريخه يحمل كلا الجانبين: باني دولة من خلال إنجازاته الكبيرة، وطاغية من خلال أساليبه القمعية. ربما يكون الحكم الأكثر دقة هو ما ذكره المؤرخ العراقي الدكتور علي الوردي عندما قال: "الحجاج كان ضرورة تاريخية في زمانه، لكنه لم يكن قدوة لأزمنة أخرى".
---
المصادر الموثوقة:
1. الطبري، محمد بن جرير. تاريخ الرسل والملوك.
2. ابن الأثير، علي بن محمد. الكامل في التاريخ.
3. البلاذري، أحمد بن يحيى. فتوح البلدان.
4. الذهبي، شمس الدين. سير أعلام النبلاء.
5. ابن خلدون، عبد الرحمن. المقدمة.
6. الوردي، علي. وعاظ السلاطين.
7. شبارو، عصام محمد. الدولة الأموية: عوامل الازدهار وتداعيات الانهيار.