بسم الله الرحمن الرحيم
.......................................
كانت هذه الجنةُ بستاناً غنّاءَ لرجلٍ صالحٍ من أهل اليمن، في قريةٍ تُدعى "ضروان"، وكان الرجلُ تقياً ورعاً، لا يقطف ثمرها ولا يدخل بيته منها شيئاً حتى يُعطيَ كلَّ ذي حقٍ حقَّه، فيُخرجُ زكاةَ اللهِ منها للمساكين والفقراء.
لكنَّ الأيامَ تمضِي، وتُدركُ الشيخَ منيَّتُه، فيموت ويتركُ البستانَ لأبنائه الخمسة. وفي السنةِ التي تلت وفاته، حملتِ الجنةُ حملاً لم ترَ له مثيلاً من قبلُ؛ فأينعت ثمارُها وتدلَّت أغصانُها بالخيرِ والرزقِ الوفير. خرج الفتيةُ ذاتَ عصرٍ إلى جنتهم، فرأوا من الفضلِ والعطاءِ ما بهرَ عقولهم وأطمعَ نفوسهم. فنظرَ أحدُهم إلى هذا الرزقِ الهائل، وإلى جيرانهم من الفقراءِ والمساكين، وتملكَه الطمعُ والبُخلُ، فقال لإخوانه: "إن أبانا كان شيخاً كبيراً قد ذهبَ عقلُه وخَرِفَ، فهلمّوا نتعاهدُ ونتعاقدُ فيما بيننا ألا نعطيَ أحداً من فقراءِ المسلمين في عامنا هذا شيئاً، حتى نستغنيَ وتكثرَ أموالنا، ثم نستأنفُ الصنعةَ في السنينِ المقبلة".
اتفقَ على هذه الخطةِ الآثمةِ أربعةٌ من الإخوة، ورفضها الخامسُ، فكان هو الأخُ الأوسَطُ الذي أشار إليه القرآنُ بقوله: ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ﴾. فنصحهم بتقوى الله، وذكّرهم بمنهاجِ أبيهم الصالحِ ليسلموا ويغنموا، لكنهم استكبروا وبطشوا به وضربوه ضرباً مُبرحاً. ولما أيقنَ أنهم مصرّون على قتله، دخلَ معهم في مشورتهم كارهاً لأمرهم، غيرَ طائعٍ لقلبه.
عادوا إلى منازلهم تلك الليلة، وبيتوا النيةَ السيئةَ وأقسموا باللهِ لَيَصْرِمُنَّ ثمارَ جنتهم باكراً، وهم يتخافتون فيما بينهم ويُسِرّونَ الحديثَ، حتى لا يشعرَ بهم أحدٌ من المساكين، قال تعالى: ﴿إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ * وَلَا يَسْتَثْنُونَ﴾.
ناموا على هذا العزم، وفي جوفِ الليلِ المظلم، بينما هم نيام، أرسلَ اللهُ عليهم عذاباً من السماء؛ ناراً أحرقتِ الجنةَ عن آخرها، فطافَ عليها طائفٌ من ربهم فأصبحت كالصريم، أي كالليلِ البهيمِ المُظلم، وقد احترقَ كلُّ شيءٍ فيها، وسوّدت ثمارُها وأوراقُها.
وفي الصباح، استيقظوا من نومهم وهم لا يدرون ما حلَّ بجنتهم، فنادى بعضهم بعضاً: "اغدوا على حرثكم إن كنتم صارمين"، فانطلقوا وهم يتخافتون، ويمشون على مكرهم وهم لا يعلمون أن مكر اللهِ قد سبقهم. قال تعالى: ﴿فَانطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ * أَن لَّا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُم مِّسْكِينٌ * وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾. فلما وصلوا مكانَ جنتهم، نظروا فلم يجدوا سوى رمادٍ أسودَ، فتحيروا، وقالوا في دهشةٍ وذهول: ﴿إِنَّا لَضَالُّونَ * بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾. أي: لقد أخطأنا الطريق، ثم تيقنوا أنها جنتهم التي أحرقها الله، فأيقنوا بالحرمان.
عندها تذكر الأخُ الأوسطُ نصحَه لهم، فقال: ﴿أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ﴾، أي: هلاّ استثنيتم وقلتم "إن شاء الله"، أو هلاّ سبّحتم الله وذكرتموه. فأقرّوا بذنبهم وتابوا وندموا وقالوا: ﴿سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾. ثم جعلَ بعضُهم يلومُ بعضاً على هذا الطغيانِ الذي أوصلهم إلى ما هم فيه.
ولم ييأسوا من رحمة الله، بل رجوا أن يبدلَهم خيراً منها، فقالوا: ﴿عَسَى رَبُّنَا أَن يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِّنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ﴾، وهذا يدلُّ على أن التوبةَ الصادقةَ تفتحُ أبوابَ الأملِ ولو بعد فواتِ الحساب.
هذه القصةُ ليست مجردَ حكايةٍ عن بستانٍ احترق، بل هي مثلٌ عظيمٌ ضربه اللهُ لكفارِ قريش، الذين بدّلوا نعمةَ اللهِ كفراً، وكذبوا رسولَه ﷺ بعد أن أنعمَ عليهم بالرسالةِ والخيرِ الكثير.
وفي ختام القصة، يُحذّرُنا اللهُ تعالى بأن عذابَ الدنيا الذي حلَّ بهم هو نذيرٌ، ولكن عذابَ الآخرةِ أكبرُ وأشد، قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾.