بسم الله الرحمن الرحيم
....................................
كم من كلمة خرجت من أفواهنا دون أن نعيرها اهتمامًا، وكم من رسالة كتبناها في لحظة غضب، أو إشاعة نقلناها دون تثبت، أو سخرية أطلقناها على سبيل المزاح، ثم مضينا وكأن شيئًا لم يكن. لكن هل فكرنا يومًا أن ما نراه صغيرًا قد يكون عند الله من أعظم الذنوب؟
قال الله تعالى في حادثة الإفك:
**﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾** [النور: 15].
إنها آية تهز القلوب، وتوقظ الضمائر، وتضع الإنسان أمام حقيقة قد يغفل عنها كثيرًا؛ فليس كل ما نراه هينًا يكون كذلك عند الله، فميزان السماء ليس كميزان الأرض.
كم من إنسان دمرت حياته بكلمة! وكم من بيت تفرق بسبب إشاعة! وكم من قلب انكسر من تعليق ساخر أو اتهام باطل! ربما قالها قائل وهو يضحك، ثم نسيها بعد دقائق، لكنها بقيت تؤلم صاحبها سنوات، وسجلتها الملائكة في صحائف الأعمال.
ولذلك قال النبي ﷺ:
**«إن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالًا، يهوي بها في جهنم.»**
متفق عليه.
وقال أيضًا:
**«وهل يكب الناس في النار على وجوههم - أو قال: على مناخرهم - إلا حصائد ألسنتهم؟»**
رواه الترمذي وصححه أهل العلم.
إن أخطر ما في الذنب أنه قد يتسلل إلى القلب في صورة أمرٍ عادي، فيعتاده الإنسان حتى لا يشعر بخطورته. فالغيبة أصبحت عند البعض حديث مجالس، والكذب يسمى "مجاملة"، والاستهزاء يقال عنه "مزاح"، ونشر الأخبار دون تثبت صار ضغطة زر لا تستغرق ثواني.
لكن الله سبحانه لا ينظر إلى تبريراتنا، وإنما ينظر إلى حقيقة الأعمال وآثارها.
وقد حذرنا القرآن من اتباع كل ما نسمع، فقال سبحانه:
**﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾** [الحجرات: 6].
وقال عز وجل:
**﴿مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾** [ق: 18].
تخيل لو أن كل كلمة تنطق بها تُعرض عليك اليوم أمام الناس، فهل سترضى عنها؟ فإذا كنت تستحي من الناس، فكيف لا تستحي من رب الناس؟
إن المؤمن الصادق لا يحتقر معصية مهما صغرت، لأنه يعلم أن عظمة الذنب ليست بحجمه في نظر الناس، وإنما بعظمة من يُعصى سبحانه. وقد كان السلف يقولون: **"لا تنظر إلى صغر المعصية، ولكن انظر إلى عظمة من عصيت."**
فليحاسب كل واحد منا نفسه قبل أن ينطق، وقبل أن يكتب، وقبل أن يضغط زر الإرسال. ولنسأل أنفسنا دائمًا:
* هل هذه الكلمة ترضي الله؟
* هل فيها ظلم لأحد؟
* هل سأفرح إذا وجدتها في صحيفة أعمالي يوم القيامة؟
فإن كانت الإجابة لا، فالسكوت نجاة.
وفي الختام...
قد يرى الناس الذنب صغيرًا، وقد ينساه صاحبه، لكنه لا يضيع عند الله. فاحذر أن تستخف بمعصية، أو تستهين بكلمة، أو تحتقر ذنبًا، فإن الذنوب الصغيرة إذا اجتمعت أهلكت صاحبها، وما كان هينًا في عينك قد يكون عند الله عظيمًا.
**اللهم طهر ألسنتنا من الكذب والغيبة والبهتان، وطهر قلوبنا من سوء الظن، واجعل كلامنا شاهدًا لنا لا علينا، واغفر لنا ما علمنا منه وما لم نعلم، إنك أنت الغفور الرحيم.**