بسم الله الرحمن الرحيم
........................................
"يا رب... كنت بعيدًا عنك، فلما عدت إليك، وجدت المرض، وضيق الرزق، وتعثر الأمور، وكثرة الهموم!"
هذه الكلمات يرددها كثير ممن منَّ الله عليهم بالهداية حديثًا، حتى يظن بعضهم أن الاستقامة كانت سببًا فيما أصابه، وربما همس له الشيطان: **"لو بقيت كما كنت لكانت حياتك أيسر!"**
وهنا يبدأ الامتحان الحقيقي...
فالشيطان لم يحزن عندما كنت بعيدًا عن الله، لكنه يحزن أشد الحزن عندما يراك ساجدًا، تائبًا، مقبلًا على ربك، فيبدأ حربه معك بالتشكيك والتيئيس.
لكن اسأل نفسك:
**هل كانت حياة الأنبياء سهلة؟**
بل كانوا أشد الناس بلاء.
قال رسول الله ﷺ:
**«أشد الناس بلاءً الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل.»**
(رواه الترمذي وصححه الألباني).
فإذا كان أحب الخلق إلى الله هم أكثر الناس ابتلاءً، فهل يكون البلاء علامة على غضب الله؟!
بل قد يكون علامة محبة.
قال ﷺ:
**«إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قومًا ابتلاهم.»**
(رواه الترمذي).
## الابتلاء ليس عقوبة دائمًا
يخطئ من يظن أن كل ضيق عقوبة، فكم من إنسان يعيش في سعة وهو بعيد عن الله، وكم من عبد صالح يضيق عليه رزقه وهو عند الله كريم.
قال تعالى:
> **﴿فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ كَلَّا﴾**
> **[الفجر: 15-17]**
أي: ليس اتساع الرزق دليل كرامة، ولا ضيقه دليل إهانة.
بل إن الله قد يضيق على عبده ليقربه منه، وليجعله يطرق بابه كل ليلة، وليطهر قلبه من التعلق بالدنيا.
## ولماذا بعد الالتزام تحديدًا؟
لأنك انتقلت من صف الغافلين إلى صف المجاهدين.
قال تعالى:
> **﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾**
> **[العنكبوت: 2-3]**
فالابتلاء يميز صدق الإيمان من ادعائه.
إنه اختبار يقول لك:
**هل ستعبد الله لأنه أعطاك؟ أم لأنك عرفته؟**
## وماذا عن عدم التوفيق في العمل؟
قد يكون الأمر ابتلاءً مؤقتًا، وقد يكون بسبب يحتاج إلى مراجعة.
فالمؤمن لا يكتفي بقول: "هذا ابتلاء"، بل يحاسب نفسه أيضًا.
* هل هناك ذنب خفي يحتاج إلى توبة؟
* هل قصرت في حق والديك؟
* هل ظلمت أحدًا؟
* هل تؤدي عملك بإتقان؟
* هل أكلت مالًا فيه شبهة؟
* هل قطعت رحمًا؟
فقد قال تعالى:
> **﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ﴾**
> **[الشورى: 30]**
لكن لا تجعل هذا يدفعك إلى القنوط، فالله أخبر أنه **يعفو عن كثير**، وفتح باب التوبة لكل من رجع إليه.
## لا تقارن نفسك بأهل الدنيا
قد ترى من يعصي الله ورزقه واسع، فتتعجب.
لكن الله قال:
> **﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً﴾**
> **[الأنعام: 44]**
وليست كل نعمة دليل رضا، كما أن كل بلاء ليس دليل سخط.
فالعبرة بالخاتمة، لا بما تراه العين في لحظة من الزمن.
## كيف تتعامل مع هذه المرحلة؟
* اثبت على الطاعة، ولا تجعل البلاء سببًا في التراجع.
* أكثر من الاستغفار، فهو مفتاح للرزق والفرج.
* أكثر من الدعاء، وخاصة في السجود وجوف الليل.
* راجع نفسك، وأصلح ما استطعت من تقصير.
* أحسن الظن بالله، فإن الله لا يضيع من قصده صادقًا.
وتذكر قول الله تعالى:
> **﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾**
> **[الطلاق: 2-3]**
وليس وعد الله أن يكون الطريق بلا ابتلاء، وإنما وعده أن يجعل للمتقين مخرجًا، وأن يرزقهم من حيث لا يتوقعون، في الوقت الذي يختاره سبحانه بحكمته.
## كلمة أخيرة
إن كنت قد التزمت حديثًا، فلا تجعل الأيام الأولى مقياسًا لرحمة الله. فربما كان الله ينقي قلبك، ويرفع درجتك، ويختبر صدقك، ويهيئ لك خيرًا لم تره بعد.
فاصبر... فإن يوسف عليه السلام دخل السجن قبل أن يجلس على عرش مصر، وموسى عليه السلام عاش غريبًا مطاردًا قبل أن يكلمه الله، ورسولنا ﷺ حوصر وأوذي وجاع، ثم كانت له العاقبة والنصر.
فلا تقل:
**"لماذا ابتلاني الله بعد أن اهتديت؟"**
بل قل:
**"الحمد لله الذي اختارني لأكون من عباده الذين يمتحنهم، وأسأله أن يجعلني من الذين إذا ابتُلوا صبروا، وإذا أُعطوا شكروا، وإذا أذنبوا استغفروا."**
واعلم يقينًا أن الطريق إلى الجنة ليس مفروشًا بالورود، ولكنه مفروش بالثبات، والصبر، وحسن الظن بالله، ومن صدق مع الله فلن يخيبه الله أبدًا.