بسم الله الرحمن الرحيم
.................................
كعب الأحبار.. هو الحبر الذي روى ما لم يُروَ..!
هو كعب بن ماتع بن ذي هجن الحميري، أبو إسحاق، وُلد في اليمن في بيت يهوديّ من قبائل حِمْيَر، وكان من علماء اليهود وكُهّانهم، عارفًا بأسفار التوراة، حافظًا لسِيَر الأنبياء والرُسل، حتى لُقّب بـ"الحبر"، وهو لقب لا يُطلق في التقاليد اليهودية إلا على كبار علمائهم. يقدّر ميلاده بنحو سنة 72 قبل الهجرة (551م)، وتوفي سنة 32 هـ (652م) في حمص بالشام، بعد أن عاش مئةً وأربع سنين.
قيل إن اسمه الأصلي في العبرية هو "عَقِيبَا"، وكعب تحريف لهذا الاسم، وكان اسمه واسم والده (ماتع) غريبين على الألسن العربية، مما يشير إلى أصول غير عربية صرفة. ومع ذلك، نُسب إلى قبائل حمير اليمنية بالحلف، ليصبح أحد أكثر الشخصيات تأثيرًا في مرحلة التابعين.
أسلم كعب الأحبار في خلافة أبي بكر الصديق، وقيل في خلافة عمر بن الخطاب، بل ورد في بعض الروايات أنه أسلم في عهد النبي محمد ﷺ بعد أن بعث علي بن أبي طالب إلى اليمن، وأدرك الإسلام فرأى فيه نورًا يُشبه ما ورد في التوراة من بشارات بالنبي الخاتم. ولعل أصدق ما يُفسر إسلامه ما رُوي من أنه كان يقرأ في أسفار بني إسرائيل صفة النبي ﷺ، فلما وجدها مطابقة لما سمعه من أخبار المدينة، آمن وأسلم، وقال .
> "والله، إن صفته في التوراة، كالشامة في وجه الفرس."
لما أسلم كعب، قدم المدينة في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فاستقبله الخليفة الراشد وأجلسه مجلس العلماء، وكان ينهل من علمه ويسأله عن الأمم الغابرة، وعن أخبار بني إسرائيل. قال عنه الذهبي في سير أعلام النبلاء:
> "كعب الأحبار: هو كعب بن ماتع الحميري اليماني، العلامة الحبر، الذي كان يهوديا فأسلم بعد وفاة النبي ﷺ، وقدم المدينة من اليمن في أيام عمر، فجالس أصحاب محمد ﷺ، فكان يحدثهم عن الكتب الإسرائيلية، ويحفظ عجائب، ويأخذ السنن عن الصحابة. وكان حسن الإسلام، متين الديانة، من نبلاء العلماء."
روى عن عمر، وصهيب، وأخذ عنه أبو هريرة، وابن عباس، ومعاوية، بل إن عبد الله بن سلام – الصحابي الذي كان يهوديًا فأسلم – سأله يومًا:
> "يا كعب، من أرباب العلم؟"
فقال كعب: "الذين يعملون به."
قال عبد الله: "فما الذي يُذهب العلم من قلوب العلماء؟"
فأجاب: "الطمع، وشره النفس، وتطلب الحاجات إلى الناس."
قال عبد الله: "صدقت."
غادر كعب المدينة إلى الشام، حيث استقر في حمص، وأصبح من رجالات العلم البارزين فيها، يروي الأحاديث، ويُفسر ما في الكتب السابقة، ويذكّر الناس بمواعظ بني إسرائيل.
ومن أعجب ما يُروى عنه، قوله:
> "بينما بنو إسرائيل يُصلّون في بيت المقدس، إذ جاء رجلان، دخل أحدهما، ولم يدخل الآخر، فقام خارجًا على أبواب المسجد، وقال: أنا لا أدخل بيت الله، ليس مثلي يدخل بيت الله، وقد عملت كذا وكذا – وجعل يبكي – فلم يدخل.
قال كعب: فكتب من الغد: إنه صِدِّيق."
روايته للحديث
على الرغم من أنه من التابعين، فقد روى عن بعض الصحابة، وروى عنه الصحابة كذلك، وهذا قليل ونادر، إذ من النادر أن يروي صحابي عن تابعي. وقع له رواية في كتب الحديث، منها سنن أبي داود، وسنن الترمذي، وسنن النسائي.
ومن أشهر من روى عنه:
أبو هريرة
عبد الله بن عباس
معاوية بن أبي سفيان
تبيع الحميري
أسلم مولى عمر
أبو سلام الأسود
وكان مما رواه في الزهد والمواعظ ما رواه ابن المبارك، قال: "إذا رأيتم العالم يُحب الدنيا، فاتّهموه على دينه."
نظرة الإسلاميين إليه
اختلفت النظرة إليه بين مادح وقادح، فبعضهم رأى فيه مصدرًا للـ"إسرائيليات" التي دخلت إلى كتب التفسير والحديث، وبعضهم رأى أن الإسلام قوّم علمه، ووجّهه للصواب.
لكن الجميع أجمعوا أنه كان حسن الإسلام، متين الديانة، وكان من الزُهّاد الواعظين، كثير البكاء من خشية الله، حاملًا علمًا واسعًا عن الأنبياء السابقين.
قال بعض المؤرخين:
> "كعب، كان إذا تكلّم، صمت له المجلس، كأن على رؤوسهم الطير، ثم لا يخرجون من مجلسه إلا وقد سكب في قلوبهم شيئًا من الحكمة."
توفي كعب الأحبار في سنة 32 هـ، فى خلافة عثمان بن عفان ، وقيل إنه دفن في حمص، وقيل في دمشق، وقيل في الجيزة. ولا يزال قبره موضع خلاف، لكن الأكيد أن صدى كلماته بقي في كتب التفسير والحديث، وأن أثره باقٍ في ذاكرة من قرأوا أخبار بني إسرائيل بعين عربية، وسمعوا من كعب ما لم يسمعوه من غيره.
المراجع: 📚
1. الأعلام - خير الدين الزركلي - ج ٥ - ص ٢٢٨
2. معجم الأدباء من العصر الجاهلي حتى سنة 2002م، كامل سلمان الجبوري - دار الكتب العلمية - بيروت
3. سير أعلام النبلاء - الذهبي - ج 3 - ص 490