بسم الله الرحمن الرحيم
...........................
# **﴿قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَٰنُ مَدًّا﴾**
هل رأيتَ إنسانًا يبتعد عن الله، ويصرُّ على المعصية، ثم ترى الدنيا تفتح له أبوابها من كل جانب؟
مالٌ يزداد…
وتجارةٌ تزدهر…
وصحةٌ وعافية…
وشهرةٌ ونجاح…
فتنظر إليه وتقول في نفسك:
**لماذا؟!**
كيف يعصي الله، ثم يعيش في نعيم؟
ولماذا أنا الذي أحاول أن أطيع الله وأجاهد نفسي، أجد في طريقي المشقة والابتلاء؟
هنا يأتي القرآن ليصحح لك الصورة التي تراها بعينيك، ويكشف لك ما لا تراه خلف الستار:
> **﴿قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَٰنُ مَدًّا ۚ حَتَّىٰ إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَّكَانًا وَأَضْعَفُ جُندًا﴾**
> **[مريم: 75]**
تأمل التعبير القرآني:
**﴿فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَٰنُ مَدًّا﴾**
لم يقل: فليكرمه…
ولم يقل: فليفضّل عليه…
بل قال: **﴿فَلْيَمْدُدْ﴾**.
قد يُمدُّ له في العمر…
ويُمدُّ له في الرزق…
ويُمدُّ له في القوة…
ويُمدُّ له في الفرص…
وهو يظن أن كل ذلك دليل على أن الله راضٍ عنه!
لكن الحقيقة قد تكون شيئًا آخر تمامًا.
قال الله تعالى:
> **﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ ۚ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾**
> **[آل عمران: 178]**
يا لها من آية مخيفة!
قد تظن أن تأخر العقوبة يعني النجاة…
وقد تظن أن كثرة النعم تعني الرضا…
وقد تظن أن الدنيا حين تفتح لك أبوابها تقول لك: **أنت على الطريق الصحيح.**
وليس بالضرورة!
فأحيانًا يكون أخطر ما يحدث للإنسان أن يذنب… **فلا يشعر بشيء.**
يعصي ولا يتألم قلبه.
يقصر ولا يخاف.
يظلم ولا يقلق.
يبتعد عن الصلاة ولا يشعر أنه فقد شيئًا.
وهنا المصيبة!
لأن القلب إذا كان حيًّا، آلمه الذنب.
أما إذا مات الإحساس، فقد يصبح الإنسان في أشد الحاجة إلى النجاة وهو يظن أنه بخير.
وقد قال النبي ﷺ:
> **«إن الله لَيُمْلِي للظالم، حتى إذا أخذه لم يُفْلِتْهُ»**.
ثم قرأ ﷺ:
> **﴿وَكَذَٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَىٰ وَهِيَ ظَالِمَةٌ ۚ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾**
> **[هود: 102]**
فلا تغترَّ بمن عصى الله ثم رأيته ناجحًا.
ولا تحسد من أُعطي الدنيا وهو بعيد عن الله.
ولا تقل: **"لو كان الله لا يحبه، فلماذا أعطاه؟!"**
فالدنيا ليست مقياس المحبة.
الله يعطي الدنيا لمن يحب، ولمن لا يحب.
يعطي المال للمؤمن والكافر.
يعطي الصحة للمطيع والعاصي.
يعطي القوة لهذا وذاك.
لكن **التوفيق للطاعة، وحب الصلاة، ولذة الدعاء، والخوف من الذنب، والإنابة إلى الله… هذه من أعظم النعم.**
ولذلك لا تنظر إلى من يملك أكثر منك وتقول:
**"هو أفضل مني."**
ربما يكون هو في فتنة وأنت في نعمة.
وربما يكون ما تحسبه أنت نجاحًا هو في الحقيقة استدراج.
وربما يكون ما تسميه أنت حرمانًا هو عين الرحمة.
كم من إنسانٍ حُرم شيئًا من الدنيا، فكان حرمانه سببًا في رجوعه إلى الله.
وكم من إنسانٍ أُعطي من الدنيا حتى ظن أنه لا يحتاج إلى أحد، فكانت النعمة سبب هلاكه.
ولهذا يقول الله تعالى:
> **﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ﴾**
> **[الأنعام: 44]**
**أبواب كل شيء!**
ثم…
**أخذناهم بغتة.**
فلا تغتر بالأبواب المفتوحة.
قد يكون الباب الذي دخلت منه الدنيا عليك، هو نفسه الباب الذي خرجت منه آخرتك.
### **ولكن انتبه!**
ليس معنى هذا أن كل من وسَّع الله عليه فهو مستدرج، ولا أن كل من ضاق عليه رزقه فهو محبوب.
لا.
فالله يقول:
> **﴿فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ كَلَّا﴾**
> **[الفجر: 15-17]**
**﴿كَلَّا﴾!**
أي: ليس الأمر كما تظن.
ليست كثرة الدنيا دليل كرامة، ولا قلتها دليل إهانة.
**المعيار الحقيقي هو: ماذا صنعت بك الدنيا؟**
إن أعطاك الله مالًا فهل شكرت؟
وإن منعك فهل صبرت؟
وإن فتح لك بابًا فهل أطعت؟
وإن أغلق عنك بابًا فهل وثقت به؟
وإن أخطأت فهل عدت إليه؟
هنا تكون الإجابة.
فيا من ترى غيرك يعيش في نعيم وهو بعيد عن الله…
**لا تحزن.**
ويا من تضيق عليك الدنيا وأنت تحاول أن تستقيم…
**لا تيأس.**
فربما كان البلاء الذي يؤلمك اليوم، هو الذي ينقذك غدًا.
وربما كان الباب الذي أُغلق في وجهك، يحميك من طريق لم تكن تعرف نهايته.
وربما كان تأخر ما تتمنى، هو عين الحكمة.
فلا تستعجل حكمك على أقدار الله.
**أنت ترى صفحة واحدة… والله يعلم الكتاب كله.**
أنت ترى اليوم… والله يعلم الغد.
أنت ترى المنع… والله يعلم ما وراء المنع.
أنت ترى العطاء… والله يعلم ما وراء العطاء.
فثق بالله.
واستقم له.
ولا تجعل ميزانك هو الدنيا.
فقد يعطي الله إنسانًا الدنيا كلها، ويحرمُه لذة القرب منه.
وقد يحرم إنسانًا شيئًا من الدنيا، ويعطيه قلبًا لا يعرف إلا الله.
**وأيُّ النعمتين أعظم؟!**
لذلك لا تسأل فقط:
**"ماذا أعطاني الله؟"**
بل اسأل السؤال الأهم:
**"ماذا صنعتُ أنا بما أعطاني الله؟"**
فإن زادتك النعمة طاعةً، فاحمد الله.
وإن زادك البلاء صبرًا، فاحمد الله.
وإن أوقظك الذنب فتبْ، فاحمد الله.
وإن أغلقت الدنيا أبوابها ثم وجدت باب الله مفتوحًا، **فقد فُتح لك أعظم الأبواب.**
واعلم أن أخطر خسارة ليست أن تفقد مالًا أو وظيفة أو تجارة…
**أخطر خسارة أن تكسب الدنيا وتخسر الله.**
وأعظم ربح ليس أن تملك كل شيء…
**بل أن يرضى الله عنك.**
فلا تغتر بما في أيدي الناس، ولا تيأس مما فاتك، ولا تظن أن تأخر العقوبة نجاة، ولا أن كثرة النعم شهادة رضا.
**فالعبد قد يُعطى ليُختبر، وقد يُمنع ليُطهَّر، وقد يُبتلى ليُرفع، وقد يُمهل ليُراجع نفسه.**
وفي النهاية…
**ليس المهم كم عشت، ولا كم جمعت، ولا كم ملكت.**
المهم:
**بماذا ستلقى الله؟**
﴿فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾.
**اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا تجعل كثرة النعم تُنسينا المنعم، ولا تجعل البلاء يُبعدنا عنك، واجعلنا ممن إذا أُعطي شكر، وإذا ابتُلي صبر، وإذا أذنب استغفر، وإذا ضلَّ رجع إليك.**