بسم الله الرحمن الرحيم
.................................
في أحد أيام الجمعة، كان المصلون قد اجتمعوا داخل المسجد ينتظرون الخطيب، لكن الخطيب تأخر عن الحضور، وبدأ الناس يتساءلون: ماذا سنفعل؟ وبينما هم في انتظار خطبة الجمعة، دخل رجل يعرفه أهل المكان بأنه مجنون، واتجه مباشرة نحو المنبر ثم صعد عليه دون تردد. وما إن رأى المصلون ذلك حتى هب بعضهم مسرعين لإنزاله، لكن أحد المسؤولين الموجودين في المسجد أوقفهم وقال: اتركوه... دعونا نرى ماذا سيقول. وقف الرجل أمام الناس، ونظر إلى المصلين للحظات، ثم بدأ يتكلم وكأنه يخطب خطبة أعدها منذ سنوات، وقال: "الحمد لله الذي خلقكم من اثنين، وقسمكم قسمين، فجعل منكم أغنياء لتشكروا، وجعل منكم فقراء لتصبروا... فلا غنيكم شكر، ولا فقيركم صبر، لعنكم الله جميعا، قوموا إلى صلاتكم!" ثم نزل من على المنبر وانصرف وكأن شيئا لم يحدث! ظل المصلون ينظرون إلى بعضهم في صمت... الرجل الذي دخلوا وهم يظنونه لا يعقل ما يقول، ترك وراءه كلمات جعلت كل واحد منهم ينظر إلى نفسه. فالغني لم يعط المال عبثا، وإنما ابتلي بالنعم: هل يشكر الله عليها؟ وهل يستخدمها في الخير؟ والفقير لم يبتل بالفقر لأن الله نسيه، وإنما ابتلي بضيق الحال: هل يصبر ولا يفقد ثقته بالله؟ وهنا تكمن المفاجأة... قد يكون الإنسان غنيا لكنه محروم من نعمة الشكر، وقد يكون فقيرا لكنه محروم من نعمة الصبر، فيتحول الاختبار الذي كان يمكن أن يكون سببا في رفعته إلى سبب في خسارته. والقصة قد تكون من النوادر التي تناقلها الناس للعبرة، ولا يلزم أن تكون ثابتة تاريخيا حتى نتأمل المعنى الذي تحمله، لأن الموعظة فيها واضحة: النعمة تحتاج إلى شكر، والبلاء يحتاج إلى صبر، وكلاهما اختبار من الله. كم مرة انشغلنا بما ينقصنا ونسينا ما نملكه؟ وكم مرة نظرنا إلى نعمة غيرنا ونسينا أن الله يختبر كل إنسان بشيء مختلف؟ ربما أنت تتمنى حياة شخص تراه مرتاحا، ولا تعرف ما يحمله في قلبه، وربما هو يتمنى شيئا عندك ولا تشعر أنت بقيمته لأنك اعتدته. لذلك لا تجعل الغنى سببا للغرور، ولا تجعل الفقر سببا لليأس، ولا تجعل البلاء يجعلك تنسى فضل الله. اشكر عندما تملك، واصبر عندما تفقد، وفي الحالتين لا تترك باب الله. واجعل لسانك دائما قريبا من الدعاء، خاصة عندما تضيق بك الدنيا، وردد دعاء نبي الله يونس عليه السلام: "لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ".
فما أجمل أن يخرج الإنسان من البلاء بقلب أقرب إلى الله، ومن النعمة بقلب أكثر تواضعا وشكرا. وصلوا وسلموا على سيدنا و حبيبنا صلى الله عليه وسلم، وأكثروا من الصلاة عليه، فلعل صلاة منك تكون سببا في سكينة قلبك وفرج همك.
والعبرة التي تبقى من هذه الحكاية ليست في الرجل الذي صعد المنبر، بل فينا نحن: ماذا سنفعل عندما يعطينا الله؟ هل سنشكر؟ وماذا سنفعل عندما يمنع عنا شيئا؟ هل سنصبر؟ لأن الحياة كلها اختبار بين نعمة تحتاج إلى شكر، وبلاء يحتاج إلى صبر.