بسم الله الرحمن الرحيم
.......................................
لم يكن ميلاد النبي صلى الله عليه وسلم مجرد ميلاد جسدي لرجل جاء إلى الدنيا ثم مضى، وإنما كان ميلاد هداية، وانبثاق رسالة، وإشراق نور، وحين نستحضر ميلاده اليوم، فإن السؤال الذي ينبغي أن يوقظ الوعي في سرائرنا ليس: كيف ولد؟ وأين ولد؟ وما تفاصيل حياته؟ وإنما السؤال الأعمق: ماذا ينبغي أن يولد فينا من جديد بميلاده؟
لقد جاء محمد صلى الله عليه وسلم إلى عالم أثقلته الجاهلية بالظلمات، فجاء معه النور الذي يبدد غياهبها، والمنهج الذي يعيد للإنسان جوهر إنسانيته، والرسالة التي تصل الأرض بالسماء، قال تعالى: (قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ) (المائدة: 15)، ولذلك فإن الاحتفاء بالنبي صلى الله عليه وسلم لا ينبغي أن يقف عند استحضار شخصه الكريم، بل يتجاوز ذلك إلى استحضار النور الذي جاء به، والهدي الذي حمله، والمنهج الذي أقام به أمة.
إن أزمتنا اليوم ليست في قلة معرفتنا بسيرة النبي صلى الله عليه وسلم؛ فقد قرأنا سيرته، وحفظنا شمائله، وتحدثنا عن رحمته وشجاعته وتواضعه وجهاده ودعوته، ولكن كثيراً مما عرفناه عنه بقي حبيس الذاكرة، ولم ينفذ إلى صميم الشخصية؛ وبقي مسطوراً في الكتب، ولم يتحول إلى سر في الحياة.
قرأنا عن رحمته، ولم تصبح الرحمة خلقاً يعاش في بيوتنا ومجتمعاتنا، وقرأنا عن شجاعته، ولم تصبح الشجاعة خلقاً في مواقفنا، وقرأنا عن تواضعه، ثم بقيت فينا نفوس تطلب الصدارة، وقرأنا عن جهاده ودعوته وصبره، لكننا لم ننجح دائماً في تحويل هذه المعاني إلى منهج حي في بناء الإنسان والأمة.
وهنا يظهر الفرق بين معرفة النبي صلى الله عليه وسلم والاقتداء به، لقد أراد القرآن أن يجعل الرسول صلى الله عليه وسلم نموذجاً حياً، لا شخصية تاريخية فحسب، فقال: (لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) (الأحزاب: 21)، فالسُّنة ليست مجرد معلومات عن رجل صالح، وإنما منهج حي قابل للاقتداء، ونموذج قابل للاستئناف.
فالأمة اليوم لا تحتاج إلى أن يولد النبي صلى الله عليه وسلم فيها كشخص؛ فقد ولد واكتملت رسالته، وإنما تحتاج أن يولد فيها من جديد كنموذج، أن تولد الرحمة في أخلاقها، والصدق في معاملاتها، والشجاعة في مواقفها، والعدل في أحكامها، والتجرد في قيادتها، والتواضع في علمائها، والمسؤولية في أبنائها، والأخوة في مجتمعاتها.
ولعل من أعمق الأسئلة التي ينبغي أن نطرحها: لو واجه النبي صلى الله عليه وسلم أزمات أمتنا اليوم، فهل كان سيطلب قرآناً جديداً يعالجها؟ أم كان سيعالجها بالقرآن الذي أنشأ به الله الأمة الأولى؟ وهل كان سيبحث عن منهج نبوي جديد؟ أم كان سيعيد تفعيل المنهج الذي صنع به من مجتمع ممزق أمة حملت رسالة السماء وغيرت وجه التاريخ؟
إن القرآن هو القرآن، والسُّنة هي السُّنة؛ ولكن الفارق بين أمة صنعت التاريخ وأمة تشتكي التاريخ هو الفرق بين المعرفة والتفعيل، وبين الحفظ والحياة، وبين قراءة المنهج وتحويله إلى واقع، إننا نستهلك أحياناً الساعات في تشخيص مشكلات الأمة، وننتج الدراسات والمؤتمرات حول أسباب ضعفها، بينما يغيب السؤال الأصيل: ماذا قال الله؟ وماذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وكيف عالج النبي صلى الله عليه وسلم مثل هذه المشكلة حين كانت أمامه؟
لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم منظّراً للأمة من بعيد؛ كان يبنيها بيده، ويصنع الإنسان قبل المؤسسة، ويغيّر القلب قبل الواقع، ويبني الوعي قبل الحركة، ولذلك قدمه القرآن رسولاً يعمل، ويدعو، ويصبر، ويجاهد، ويعفو، ويشاور، ويعلم، ويبني، ويقود، فالنبي صلى الله عليه وسلم في القرآن ليس اسماً يحفظ، وإنما نموذج يتبع.
ولم يكن صلى الله عليه وسلم يدعو الناس إلى ذاته، بل كان يردهم إلى الله، قال تعالى: (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ) (الكهف: 110)، فكانت عظمته في كمال عبوديته، وقوته في رسالته.
ومن هنا تبدأ وراثة النبي صلى الله عليه وسلم؛ وراثة رسالته ومنهجه، لا مجرد استحضار سيرته.
وأول تكليف في هذه الوراثة أن نحمل الرسالة إلى الناس؛ قال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا) (سبأ: 28).
وما أحوج العالم اليوم إلى قيم الإسلام التي تحفظ إنسانية الإنسان، وأخلاقه التي تعيد للضمير توازنه، ومنهجه الذي يحرره من عبودية الهوى والاستبداد والمادة! لقد تهاوت أفكار، وانكشفت عورات أيديولوجيات، واضطربت منظومات أخلاقية عجزت عن أن تمنح الإنسان معنى يليق بإنسانيته؛ وفي خضم هذا الاضطراب يبحث الإنسان عن معنى يطمئن إليه، وعدل يحميه، ورحمة تجمعه، وحقيقة تحرره.
والعالم لا يحتاج منا أن نرفع راية الإسلام فحسب، بل يحتاج أن يرى الإسلام في إنسانيتنا، وعدلنا، ورحمتنا، وصدقنا؛ فربما كانت أعظم دعوة إلى الإسلام أن يرى الناس أثر الإسلام في حياة المسلمين.
والمؤلم أن تكون الحاجة إلى الرسالة متجددة، بينما يثقل بعض المسلمين عن حملها؛ يعرفون أن معهم النور، لكنهم لا يخرجون به إلى الناس، إن وراثة النبي صلى الله عليه وسلم ليست أن ننتظر العالم حتى يأتي إلينا، وإنما أن نذهب إليه بالرسالة؛ حاملين نوراً لا وصاية، ورحمة لا هيمنة، وهداية لا إكراهاً، ومنهجاً يبني الإنسان ولا يستعبده.
ثم إن حمل الرسالة لا ينفصل عن روحها؛ قال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ) (الأنبياء: 107)، فلا تكون وراثة النبي صلى الله عليه وسلم في تحويل الدعوة إلى تسلط، ولا التدين إلى قسوة؛ وإنما في أن يصبح حضور الإسلام في حياة الناس رحمة تهدي، وتبني، وتحرر.
إننا لا نحتاج نبياً جديداً، وإنما نحتاج أمة جديدة في علاقتها برسالتها؛ أمة تحول النبي صلى الله عليه وسلم من سيرة تقرأ إلى منهج يعاش، ومن ذكرى تتكرر إلى مشروع يتجدد.
فليس أعظم ما نفعله في ذكرى ميلاده أن نتذكر كيف ولد، وإنما أن نسأل: ماذا ينبغي أن يولد فينا حتى نكون جديرين بوراثة رسالته؟ حين تولد في الأمة الأسوة، يولد الاقتداء؛ وحين يولد الاقتداء، تحيا الرسالة في واقع جديد، وتستعيد الأمة شيئاً من حقيقتها التي أرادها الله لها: (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) (آل عمران: 110).