بسم الله الرحمن الرحيم
......................................
فجأة وأنا بصلي، وأنا في التحيات الأخيرة، وقفت عند جملة بقولها من سنين.. «إنك حميدٌ مجيد».. وفجأة خطرت في بالي أسئلة:
▪ليه الحميد اتذكر مع المجيد؟ إيه العلاقة بين الاسمين؟ وليه النبي ﷺ علّمنا نقولهم مع بعض في الصلاة؟
▪وهل فعلًا «الحميد» و«المجيد» من أسماء الله؟
▪بدأت أبحث وأتأمل...
▪والحقيقة إن كل ما قرأت أكثر، كل ما شعرت إن الجملة دي أعمق بكتير مما كنا بنقولها بألسنتنا.
▪الله سبحانه يقول في قصة إبراهيم "قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ۖ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ ۚ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ"..
▪وقال سبحانه "ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ".. وفي الصلاة نقول.. «اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد»..
▪إذن الاسمان ثابتان لله تعالى، وجاء اجتماعهما في القرآن والسنة.. لكن السؤال لماذا اجتمعا؟
▪«الحميد» هو الذي يستحق الحمد لكماله، وجلاله، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله، وإنعامه على عباده..
▪و«المجيد» هو العظيم الواسع في مجده، الكامل في عظمته وشرفه وجلاله.. فالحميد: هو الذي له الحمد.. والمجيد: هو الذي له المجد والعظمة والكمال..
▪لكن لماذا يجتمعان معًا؟
▪لأن الحمد وحده يحتاج إلى معرفة مَن الذي تحمده.. قد تقول «الحمد لله» عشرات المرات، لكنك إذا لم تعرف عظمة الله، قد تتحول الكلمة عندك إلى مجرد عادة على اللسان..
▪أما حين تعرف أن الذي تحمده هو المجيد، صاحب العظمة والكمال والجلال، فإن «الحمد لله» تخرج من مكان آخر في القلب..
▪وهنا تفهم لماذا جاء الاسمان معًا: تحمده لأنه حميد، وتعظمه لأنه مجيد.. تحبه وتحمده... وتعظمه وتجلّه.. وهذا هو القلب الذي يريد الإسلام أن يبنيه..
▪ليس قلبًا يعرف الله عند النعمة فقط... ولا قلبًا يخاف الله خوفًا مجردًا... بل قلب يعرف ربه فيحمده، ويعظمه، ويرجوه، ويحبه..
▪"إنه حميد مجيد" جاءت في قصة إبراهيم وأهل بيته.. والصلاة الإبراهيمية تذكرنا إبراهيم وآل إبراهيم.. وكأن هناك خيطًا دقيقًا يستحق التأمل بين الموضعين..
▪فبدأت أسأل نفسي: لماذا ذكر حميد مجيد مع البشري بالذرية ومع طول سنين العقم.. والحرمان من الأبناء ؟؟
▪فعلمت أن الله لا يُحمد فقط عندما يعطيني ما أحب.. بل هو محمود في ذاته وصفاته وأفعاله.. أنا أحمده على النعمة... وأحمده على رحمته...
▪أحمده على حكمته... وأحمده على هدايته... وأحمده لأنه ربي.. حتى عندما لا أفهم كل شيء.. وهنا بالذات يبدأ الاختبار الحقيقي للحمد..
▪لأن أسهل شيء أن تقول: الحمد لله... وأنت في صحة.. الحمد لله... وأنت في سعة.. الحمد لله... وأنت ترى الأمور تسير كما تريد..
▪لكن ماذا يحدث عندما تتأخر الإجابة؟ عندما يضيق الرزق؟ عندما يُغلق باب كنت تتمنى دخوله؟ عندما تفقد شيئًا تحبه؟ عندما يأتيك من الحياة ما لم تخطط له؟
▪هنا لا يكون السؤال: هل تستطيع أن تقول «الحمد لله» بلسانك؟ بل السؤال: هل ما زال قلبك يعرف أن الله حميد؟
▪الحمد لا يعني أنك تحب كل ما يحدث لك.. ولكن يعني أنك تثق أن ربك لا يفعل شيئًا عبثًا، ولا يخرج شيء عن علمه وحكمته..
▪قد لا تعرف الحكمة... لكن الله يعلم.. قد لا ترى الخير... لكن الله يراه.. قد لا تفهم لماذا أُغلق الباب... لكن الذي أغلقه هو ربك..
▪وهنا يأتي اسم المجيد..
▪لأنك عندما تعرف أن الله مجيد، تعرف أنك أمام رب عظيم كامل العلم والحكمة والقدرة.. فتتواضع أمام ما لا تفهمه.. لا تقول «أنا لا أفهم إذن لا توجد حكمة»..
▪بل تقول «أنا لا أفهم... لكن الله يعلم».. وهذه من أعظم العبادات القلبية.. أن تعرف حدود عقلك... وتعرف عظمة ربك.. لأنك تتعامل مع: الحميد المجيد.. الذي له الحمد كله... وله المجد كله.
▪ثم وجدت شيئًا آخر جعلني أتوقف...
▪النبي ﷺ يقول في دعائه.. «لا أُحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك».. رواه مسلم.. تأمل... النبي ﷺ يقول: لا أحصي ثناء عليك..
▪يعني مهما حمدت الله، ومهما أثنيت عليه، ومهما عرفت من أسمائه وصفاته، فلن تستطيع أن تحيط بحمده.. لأن الله أعظم من أن يحيط العبد بثنائه..
▪وهنا تفهم معنى: حميد مجيد.. هو حميد، مهما حمدته.. ومجيد، أعظم من أن تحيط عقولنا بمجدِه..
▪ولذلك كلما عرفت الله أكثر... اكتشفت أنك تعرف عنه أقل مما ينبغي.. وكلما ازددت علمًا به... ازددت تواضعًا بين يديه..
▪ثم بدأت أفهم شيئًا آخر... أن «الحميد» لا يعلمك فقط كيف تحمد الله على النعمة... بل يعلمك كيف لا تغتر بالنعمة..
▪عندما تنجح، لا تقل: أنا فعلت.. أنا أذكى.. أنا أفضل.. أنا وصلت بقدرتي.. قل "وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ"..
▪الحمد لله.. فالفضل منه.. والتوفيق منه.. والقدرة منه.. والفرصة منه.. حتى قدرتك على العمل الصالح... نعمة منه.. وحتى قدرتك على أن تقول «الحمد لله».. نعمة تحتاج إلى حمد جديد..