بسم الله الرحمن الرحيم
........................................
لم يكن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما صحابيًا عاديًا، بل كان من أهل العلم والعبادة، ومن أكثر الصحابة عناية بحديث رسول الله ﷺ وكتابته.
مولده ونشأته
هو عبد الله بن عمرو بن العاص بن وائل القرشي السهمي، وكنيته أبو محمد، وأمه ريطة بنت منبه السهمية.
وُلد في مكة قبل الهجرة بنحو سبع سنوات، أي قرابة سنة 7 قبل الهجرة، وكان بينه وبين أبيه عمرو بن العاص رضي الله عنه نحو اثنتي عشرة سنة فقط.
نشأ عبد الله في بيت من بيوت قريش، وكان منذ صغره محبًا للعلم والقراءة والكتابة، حتى إنه كان يعرف الكتابة ويحسن السريانية، وهي مهارات لم تكن شائعة في ذلك العصر.
إسلامه قبل أبيه
أسلم عبد الله رضي الله عنه قبل أبيه عمرو بن العاص رضي الله عنه، ثم هاجر إلى المدينة بعد ذلك.
وكان شديد الحرص على ملازمة النبي ﷺ والاستماع إلى كلامه وحفظه.
ولما كان عبد الله يكتب ما يسمعه من رسول الله ﷺ، استأذن النبي ﷺ في ذلك، فأذن له، فكان من الصحابة الذين حفظوا الحديث وكتبوه في حياة النبي ﷺ.
وكانت له صحيفة عُرفت باسم الصحيفة الصادقة، جمع فيها ما سمعه من رسول الله ﷺ، وكان ذلك من أسباب تميزه في رواية الحديث.
حتى قال أبو هريرة رضي الله عنه بمعنى كلامه: لم يكن أحد أكثر حديثًا عن رسول الله ﷺ مني إلا عبد الله بن عمرو، فإنه كان يكتب ولا أكتب.
عبادته واجتهاده
كان عبد الله رضي الله عنه شديد العبادة، كثير الصيام والقيام وقراءة القرآن.
لكن النبي ﷺ علّمه أن العبادة لا تعني أن يهلك الإنسان نفسه، فقال له إن لجسده عليه حقًا، ولعينيه عليه حقًا، ولزوجته عليه حقًا.
وأرشده النبي ﷺ إلى الاعتدال، فقال له أن يصوم صيام داود عليه السلام: يومًا ويُفطر يومًا، وأن يقرأ القرآن في مدة معتدلة.
وهكذا كان عبد الله نموذجًا للصحابي الذي جمع بين العلم والعبادة، مع الالتزام بهدي النبي ﷺ في التوازن وعدم الغلو.
عبد الله والعلم والحديث
كان رضي الله عنه من كبار رواة الحديث، وكان شديد الحرص على حفظ سنة رسول الله ﷺ.
ولم يكن اهتمامه بالحديث مجرد حفظ، بل كان يكتب ما يسمعه، ولذلك وصل إلينا قدر كبير من علمه.
وقد اشتهر بين الصحابة بالعلم والعبادة، وكان له أثر واضح في نقل الحديث وتعليم الناس.
في ميادين الجهاد
لم يكن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما رجل علم وعبادة فقط، بل شارك في أحداث ووقائع من تاريخ المسلمين.
وتذكر المصادر أنه شهد بعض الغزوات والوقائع، وكان من أهل الشجاعة، كما ذُكر أنه حمل راية أبيه في اليرموك.
وكانت حياته مثالًا على أن المسلم يستطيع أن يجمع بين قوة الإيمان، والعلم، والعبادة، والشجاعة.
موقفه من الفتنة
وفي الأحداث التي وقعت بين المسلمين في زمن الفتنة، كان عبد الله رضي الله عنه حاضرًا في بعض الوقائع، ومن أشهرها صفين مع أبيه.
ثم اتجه في أواخر حياته إلى العزلة والعبادة والابتعاد عن الفتن، وانصرف إلى العلم والعبادة.
آخر حياته
عاش عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما حتى أدرك زمنًا متأخرًا من عصر الصحابة.
وفي آخر عمره كفّ بصره، ومع ذلك بقي معروفًا بالعلم والعبادة.
وتوفي رضي الله عنه سنة 65 هـ تقريبًا، وقد اختلف المؤرخون في مكان وفاته؛ فقيل في مصر، وقيل في عسقلان، وقيل غير ذلك. ولذلك فالأحوط عند الحديث عن وفاته أن نقول: توفي سنة 65 هـ تقريبًا، واختلف في موضع وفاته.
ماذا نتعلم من حياة عبد الله بن عمرو؟
رضي الله عن عبد الله بن عمرو، فقد ترك لنا سيرة عظيمة تجمع بين:
📖 العلم وحفظ السنة
🕌 العبادة والخشوع
✍️ الحرص على كتابة العلم
⚔️ الشجاعة والثبات
⚖️ الاعتدال وعدم الغلو
ومن أعظم الدروس في سيرته أن العلم والعبادة لا ينفصلان، وأن المسلم يحتاج إلى أن يعرف كيف يعبد الله، وكيف يحافظ في الوقت نفسه على حقوق جسده وأهله وحياته.
رحم الله عبد الله بن عمرو بن العاص، ورضي الله عنه وعن أبيه، وجمعنا الله بهم في جنات النعيم.