بسم الله الرحمن الرحيم
.........................................
يوم التغابن
يوم يجمعكم ليوم الجمع ذلك يوم التَّغابُنُ.. فماهو التغابن؟ انه تلك اللحظة التي تنكشف فيها للعبد حقيقةُ الصفقة التي عاش عمره يعقدها، وتسقط فيها الأسعار التي وضعها الناس للأشياء، ليقوم ميزانُ جديد، هناك فقط يرى الإنسان ما كان يراه في الدنيا ولا يفهم حقيقته؛ فيكتشف أن منعًا أوجعه كان في باطنه عطاءً، وأن بابًا أُغلق في وجهه كان رحمةً، وأن شيئًا حُرم منه كان الله يدفع به عنه ما هو أشد، وأن كثيرًا مما فرح به وظنه ربحًا لم يكن إلا حرمانًا مستترًا في ثوب المكسب.
هناك يفهم أن الخسارة لم تكن يوم ذهب المال، ولا يوم فُقد المنصب، ولا يوم انصرف الجاه، ولا يوم أُغلقت أبواب الدنيا؛ فكل ذلك يذهب ويأتي، وإنما الخسارة الحقيقية يوم يضيع القلب عن الله، وتمرُّ مواسم القرب ولا يغتنمها، وتأتيه أبواب الطاعة فلا يدخلها، ويستنفد أنفاسه فيما لا يبقى، فكل ما ملكته وشغلك عن مولاك، وإن أسرَّ العين وأرضى النفس، فهو غبن؛ وكل ما فقدته فقرَّبك منه، وإن أوجع القلب وأتعب النفس، فهو ربح.