بسم الله الرحمن الرحيم
...............................
يُروى عن الأصمعي أنه دُعي يومًا إلى مأدبة طعام في البادية، فخرج مع القوم، وجلسوا إلى الطعام.
وكان على المائدة إناء كبير مملوء بالسمن، وبين الحاضرين أعرابي أخذ يأكل بشراهة شديدة، حتى كان السمن يسيل على يديه ولحيته.
نظر الأصمعي إليه، وأراد أن يضحك الحاضرين عليه، فقال له:
كأنك أثلة في أرض هشٍّ
أتاها وابلٌ من بعد رشّ
والأَثْلَة شجرة، والهَشّ هو الأرض اللينة التي يتجمع فيها الماء.
فالتفت الأعرابي إلى الأصمعي، وكانت عيناه قد احمرّتا من الغضب، وقال له:
كأنك بعرة في است كبشٍ
مدلّاة، وذاك الكبش يمشي! 😂
فضحك أهل المجلس على الأصمعي، إذ أراد أن يسخر من الأعرابي، فإذا بالأعرابي يرد عليه ببيت أشد سخرية.
فشعر الأصمعي بالحرج، لكنه أراد أن يعرف هل كان ما قاله الأعرابي مجرد جواب عابر، أم أنه شاعر حقًا.
فقال له:
— يا أعرابي، أتعرف الشعر؟
فقال الأعرابي بكل ثقة:
— كيف لا أعرفه وأنا أبوه وأمه!
فقال الأصمعي في نفسه: سأختبره بقافية لا يكاد يستطيع أحد أن يأتي عليها.
فقال له:
— عندي قافية تحتاج إلى غطاء.
فقال الأعرابي:
— هات ما عندك.
فغاص الأصمعي في بحور اللغة، واختار قافية شديدة الصعوبة، وهي الواو الساكنة المفتوح ما قبلها.
ثم قال:
قومٌ بنجدٍ قد عهدناهم
سقاهم الله من النَّوْ
ثم التفت إليه وقال:
— أتدري ما النَّو يا أعرابي؟
فلم يتردد الأعرابي، وقال:
نَوٌّ تلألأ في دُجى ليلةٍ
حالكةٍ مظلمةٍ لَوْ
فقال الأصمعي بسرعة:
— لو ماذا؟
فأجابه الأعرابي:
لو سار فيها فارسٌ لانثنى
على بساط الأرض منطوْ
فقال الأصمعي:
— منطو ماذا؟
فقال الأعرابي:
منطوِ الكشحِ هضيمِ الحشا
كالبازِ ينقضُّ من الجوْ
فقال الأصمعي:
— جو ماذا؟
فقال الأعرابي:
جوُّ السماءِ والريحُ تعلو به
قد شمَّ ريحَ الأرضِ فاعلوْ
فقال الأصمعي:
— فاعلو ماذا؟
فأكمل الأعرابي دون أن يتوقف:
فاعلو لما عيل منه صبرُه
فصار نحو القوم ينعوْ
وظل الأصمعي يحاول أن يقطعه بالسؤال، لكن الأعرابي كان يأتي في كل مرة بكلمة جديدة تنتهي بالقافية نفسها.
وهنا تحولت المسألة من محاولة لاختبار الأعرابي إلى اختبار للأصمعي نفسه. 😂
لم يكن الخطأ في أن الأصمعي لم يعرف الشعر، فهو من كبار علماء اللغة، وإنما كان الخطأ أنه استهان برجلٍ لم يعرف قدره قبل أن يختبره.